أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الخطأ البشري














المزيد.....

الخطأ البشري


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 09:52
المحور: الادب والفن
    


في المدينة التي يُقاس فيها كلُّ شيءٍ بالساعة، لم يكن للمصنع اسم.

الاسم يقتضي ذاكرة،

والمصنع لا يحتفظ بشيء.



كانت الساعة الكبيرة المعلّقة فوق البوابة تبدو أكبر من الحاجة، كأنها لم تُعلَّق لقياس الوقت، بل لمراقبته وهو يمرّ عبر الأجساد.

عقربها لا يتردّد.

لا يعرف الشفقة ولا السأم.

يدور، فحسب.



كان سامر يصل قبل الصافرة بدقيقتين.

يقف تحت الساعة كما يقف متّهم تحت كاميرا.

يرفع رأسه إليها دون أن يفكّر.

التفكير رفاهية لا يوفّرها الخط.



في الداخل، لا يُسمَع الكلام بوضوح.

الصوت الوحيد المفهوم تمامًا هو صوت الشفرة وهي تهبط وتعلو.

إيقاع منتظم، لا يخطئ.

بعد سنوات، لم يعد سامر يسمعه بأذنه؛

صار يسمعه من داخله.



حين يسكن الإيقاع الجسد، لا يعود صوتًا،

بل يصير توقيتًا للأعصاب.

طريقةً في مدّ اليد.

طريقةً في سحبها.

طريقةً في النجاة.



كان يقول لنفسه في البداية:

«مؤقّت. سنة واحدة فحسب.»

ثم انقضت السنة،

ولم ينقضِ المؤقّت.



في ذلك الصباح، حين مدّ يده، لم يكن شاردًا.

لم يكن يفكّر في شيء خارج الخط.

كان يعرف المسافة تمامًا.

المسافة بين أطراف أصابعه والشفرة.

بين الحركة والهبوط.

بين الثقة والعادة.



العادة أخطر من الخطأ،

لأنها لا تبدو خطأ.



هبطت الشفرة.



لم تستغرق اللحظة زمنًا يكفي للندم.

توقّف الخط.

سكن المكان كما يسكن صدرٌ قبل صرخة.

ثم عاد.



عاد لأن التوقّف حادث،

أمّا الاستمرار فهو النظام.



وفي التقرير:

«خطأ بشري.»



جملة قصيرة، باردة، مكتملة.

تضع نهايةً لكل سؤال،

وتفتح بابًا ليومٍ تالٍ.



بعد أسابيع، عاد سامر بطلب توظيف.



لم يسأله أحد عمّا حدث.

لم يسأله أحد إن كان مستعدًّا.

السؤال الوحيد كان إداريًا:



«هل تمانع العودة إلى الخط نفسه؟»



نظر إلى الورقة.

إلى خانة الاسم التي تتحوّل رقمًا.

قال:

«لا.»



لم يكن في صوته تحدٍّ ولا استسلام.

كان صوتًا تدرّب على القبول كما يتدرّب الجسد على الألم.



عاد إلى موقعه.

الزر الأحمر في موضعه، نظيف، لامع، قليل الاستعمال.

الساعة الكبيرة تدور كما لو أنّها لم تشهد شيئًا.



إلى جواره وقف شاب جديد.

عيناه تراقبان الشفرة بحذرٍ لم يتآكل بعد.



سأل الشاب:

«هل عملت هنا من قبل؟»



قال سامر:

«نعم.»



«أالخطّ صعب؟»



نظر سامر إلى المسافة بين يد الشاب والشفرة.

كانت المسافة ذاتها.

لا تتغيّر.

الذي يتغيّر هو الإحساس بها.



قال:

«الأمر عادة.»



لم يقصد التخفيف.

كانت إجابة دقيقة.

الخطّ لا يقتل الجاهل به،

بل يقتل من يظنّ أنّه أتقنه.



في نهاية الوردية، انزلقت قطعة معدنية.

حركة صغيرة، شبه بريئة.

لكن الخط لا يعترف بالبراءة.



رأى سامر يد الشاب تتحرّك.

رأى اللحظة قبل أن تكتمل.

وفي جزءٍ من الثانية، لم يعرف أكان يحذّره أم يُسرّع عليه.



قال:

«مدّها أسرع.»



مدّ الشاب يده.



هبطت الشفرة.



توقّف الخط.

ثم عاد.



لم يتغيّر شيء في الإيقاع.

لم ترتبك الساعة.

لم يتأخر العقرب.



وفي التقرير:

«خطأ بشري.»



في البيت، جلس سامر في الظلام.

لم يُشعل الضوء.

الضوء يكشف الأشياء،

وهو لم يعد يريد أن يرى الفرق بين ما يحدث وما يتكرّر.



لم ينظر إلى يده.

لم ينظر إلى الساعة المعلّقة على الجدار.

جلس فقط،

محاولًا أن يسمع شيئًا غير الإيقاع.



لكن الإيقاع كان هناك.

في صدره.

في نبضه.

في الصمت نفسه.



في المصنع،

لم يتوقّف شيء.



الشفرة تهبط وتعلو.

الساعة تدور.

والمدينة تُقاس بالساعة.



أمّا الأسماء،

فلا يقيسها أحد



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المواطنة غير المشروطة أفق ممكن أم تناقض بنيوي؟
- المواطنة ليست امتحانًا
- الفرد المقبول والجماعة المؤجَّلة
- العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا


المزيد.....




- سوريا.. فيديو خادمة هدى شعراوي تعيد تمثيل كيف قتلت الفنانة ع ...
- فيديو.. قاتلة الفنانة هدى شعراوي تمثل الجريمة
- سطو -سينمائي- على محل مجوهرات تركي باستخدام رافعة وحمار
- الجمعية العلمية للفنون تفتح باب التسجيل على ورشة سينمائية في ...
- بسبب أزمة التأشيرات.. انسحاب الفيلم السوداني -كرت أزرق- من - ...
- شربل داغر: الشاعر يطرق بمطرقته الخاصة ليقدح زناد اللغة
- وزير الخارجية السعودي يلتقي الممثل السامي لمجلس السلام في قط ...
- فيلم -ساعي البريد-.. البوابة السرية لتجنيد الجواسيس
- كرنفال ألمانيا يتحدى الرقابة ـ قصة فنان يُرعب زعيم الكرملين! ...
- انسحابات من مهرجان برلين السينمائي على خلفية حرب غزة


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الخطأ البشري