أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا














المزيد.....

كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 13:57
المحور: الادب والفن
    





نحن لا نقتل لأننا متوحشون.
نقتل لأننا منظمون.

القتل في مجتمعاتنا ليس فعلًا طارئًا،
بل نتيجة منطقية لنظام أخلاقي متماسك،
نظام يعرف كيف يُقصي دون ضجيج،
وكيف يُنهي الحياة دون أن يُسمّي ما يفعل.

نحن لا نبدأ بالرصاصة.
نبدأ بالترويض.

نروّض السؤال حتى يصمت.
نروّض الاختلاف حتى يختفي.
نروّض الفرد حتى يتعلّم أن النجاة
مرهونة بالتشابه.

وحين يفشل الترويض،
يصبح القتل
حلًا عقلانيًا.

القتل هنا ليس انفجار غضب،
بل قرارًا اجتماعيًا مؤجَّل التنفيذ.
تُمهَّد له الطريق بعناية:
تشويه بطيء،
تلميح أخلاقي،
إشاعة صغيرة،
ثم جملة نهائية:
“مش مريح.”

هذه الجملة وحدها
كافية لإلغاء إنسان.

القاتل في ثقافتنا لا يأتي من الهامش.
يأتي من المركز.
من العائلة.
من الجماعة.
من الإجماع الصامت.

هو لا يشعر بالذنب،
لأنه لم يفعل شيئًا وحده.

كلنا شاركنا:
من صمت،
ومن برّر،
ومن نصح الضحية أن “تخفف”،
ومن خاف أن يقف في الجهة الخطأ.

نحن مجتمع
لا يحتاج إلى سفّاحين،
لأننا نملك آليات أنظف.

نقتل بالسمعة قبل الجسد.
نقتل بالفتوى قبل السكين.
نقتل بالقانون حين يناسبنا،
وبالعرف حين يعجز القانون،
وبالصدفة حين نحتاج مخرجًا لغويًا.

ثم نقف جميعًا
في جنازة مرتّبة،
نُخفض الصوت،
ونرفع أعيننا للسماء،
ونقول:
“قضاء وقدر.”

الله في خطابنا
شريك مثالي:
صامت،
لا يدافع عن نفسه،
ويتحمّل عنا كل شيء.

الضحية، في لحظة موتها،
تُستجوب.
نفتّش حياتها بحثًا عن ذنبٍ يريحنا.
نراجع ملابسها،
أفكارها،
علاقاتها،
نبرة صوتها.

أي شيء…
إلا أن نراجع أنفسنا.

أما القاتل،
فيحصل على فهم.
والفهم عندنا
أرقى درجات البراءة.

“كان مضغوطًا.”
“الظروف أقسى من الكل.”
“كلنا ممكن نغلط.”

نحن لا نبرّئ القاتل،
نُبرّئ النظام الذي أنجبه.

الأكثر رعبًا
أن القتل عندنا
لا يثير الذعر،
بل يثير الارتياح.
ارتياح لأن الخلل أُزيل.
لأن السؤال انتهى.
لأن الهدوء عاد.

أي هدوء هذا
الذي لا يتحقق
إلا بعد إسكات إنسان؟

نحن مجتمع
يخاف من الحياة الحرة
أكثر مما يخاف من الموت.
ولهذا نقتل من يعيش بزيادة:
من يفكر بزيادة،
يحب بزيادة،
يسأل بزيادة.

القتل ليس نقيض الحياة هنا،
بل أداة لإدارتها.

وفي النهاية،
حين يأتي الدور علينا،
لن يُقتلنا أحد بغضب.
سنُقتل بأدب.
بجملة رسمية.
بتبرير جاهز.
وبإجماع مطمئن.

وسنكتشف، متأخرين جدًا،
أن القاتل لم يكن فردًا،
ولا لحظة،
ولا سكينًا…

بل ثقافة كاملة
تعلّمت كيف تحمي نفسها
بإلغاء من يفضحها.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...


المزيد.....




- نهارا وعلى مرأى الجميع.. سطو -سينمائي- في لندن يشعل المنصات ...
- كيف نتعلم من الذكاء الاصطناعي ثقافة الإنصات والتعاطف مع الآخ ...
- الأديب التونسي رضا مامي: الشاعر الحقيقي يظل على يسار السلطة ...
- -سرديات تحت الاحتلال-... افتتاح معرض -رام الله آرت فير- بمشا ...
- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- هذه السيدة نقلت ثقافة وتعليم اليابان إلى سلطنة عمان
- من خيال إلى حقيقة.. هل جسد فيلم -هوستل- ما جرى في جزيرة إبست ...
- رحيل الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط
- -شبكات-.. فشل فيلم ميلانيا ترمب و-لوحة فارغة- تباع بآلاف الد ...
- -سرديات تحت الاحتلال-... افتتاح معرض -رام الله آرت فير- بمشا ...


المزيد.....

- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا