أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الحدث إلى مشروع الإلغاء














المزيد.....

القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الحدث إلى مشروع الإلغاء


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 00:36
المحور: القضية الفلسطينية
    


ليست القدس مجرّد مدينة تتنازعها السياسات، ولا مجرّد مساحة جغرافية تتراكم فوقها الأحداث. ما يجري في القدس، منذ سنوات، وبحدة متصاعدة، يتجاوز منطق “الوقائع الميدانية” إلى منطق إعادة الصياغة الشاملة: صياغة المكان، والذاكرة، والإنسان، والسردية.



إنّ أخطر ما تتعرّض له القدس اليوم لا يتمثّل فقط في الهدم، أو المصادرة، أو التضييق على الوجود الفلسطيني، بل في محاولة تفريغ المدينة من معناها التاريخي والإنساني المركّب، وتحويلها إلى رمز أحاديّ الصوت، تُقصى منه الذاكرة الأخرى، ويُجرَّد من حقه في الظهور والاعتراف.



من إدارة الصراع إلى إعادة تعريف المدينة



لم يعد ما يجري في القدس يُدار بوصفه صراعًا مفتوحًا على الأرض فقط، بل بوصفه مشروعًا طويل الأمد لإعادة تعريف المدينة نفسها: من مدينة متعددة الطبقات الثقافية والدينية، إلى مدينة تُقدَّم وفق سردية واحدة تُفرض بوصفها “الطبيعية” و”النهائية”.



الهدم، وسحب الهويات، وتقييد البناء، واستهداف المؤسسات التعليمية والثقافية، والتضييق على الفعل الإبداعي، ليست إجراءات متفرقة، بل عناصر في سياسة متكاملة تهدف إلى إعادة هندسة الفضاء المادي والرمزي للقدس. فحين يُعاد تشكيل المكان، يُعاد تشكيل الوعي به، ومعه يُعاد تشكيل علاقة الإنسان بتاريخه وبذاته.



القدس بوصفها قضية ثقافية وجودية



من أكثر مظاهر القصور في التعاطي مع القدس، عربيًا ودوليًا، اختزالها في بعدها السياسي أو القانوني، وإغفال بعدها الثقافي الوجودي. فالقدس ليست فقط قضية سيادة أو تفاوض، بل قضية حق في السرد، وحق في الذاكرة، وحق في أن يكون الإنسان جزءًا من المكان لا طارئًا عليه.



حين يُستهدف الوجود الثقافي الفلسطيني في القدس، فإن ما يُستهدف فعليًا هو قدرة الفلسطيني على أن يقول: “كنت هنا، وما زلت هنا”. الثقافة هنا ليست ترفًا، بل شرط بقاء. وهي ليست نشاطًا هامشيًا، بل الوعاء الذي يحفظ التاريخ من التزوير، والمدينة من التحوّل إلى ديكور بلا روح.



العنف الصامت: حين يعمل الإلغاء بلا ضجيج



ما يميّز ما يجري في القدس اليوم هو طابعه “الهادئ” في الظاهر. فالإلغاء لا يتم دائمًا عبر الصدمة، بل عبر التراكم البطيء، وعبر تحويل غير الطبيعي إلى اعتيادي، والاستثنائي إلى يومي.



هذا العنف الصامت أخطر من العنف المباشر، لأنه لا يثير ردود فعل فورية، ولا يخلق دائمًا صورًا صادمة، لكنه يعمل بعمق، ويترك أثره في الذاكرة والوجدان. ومع الوقت، يصبح الغياب أمرًا مألوفًا، ويغدو التهميش جزءًا من المشهد.



الصمت الدولي وأزمة المعنى



لا يمكن فصل ما يحدث في القدس عن حالة الصمت الدولي، أو الاكتفاء بخطاب القلق المجرد. فهذا الصمت لا يعكس فقط اختلال موازين القوى، بل يكشف عن أزمة أخلاقية عميقة في النظام الدولي، حيث تُفرَّغ مفاهيم العدالة، وحقوق الإنسان، وحماية التراث الإنساني من مضمونها العملي.



فالقدس، التي يُفترض أن تمثّل ذاكرة إنسانية مشتركة، تُترك اليوم لتُعاد صياغتها وفق منطق القوة، دون مساءلة حقيقية. وهنا لا يكون الصمت حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في ترسيخ الأمر الواقع.



مسؤولية الثقافة والإعلام: الدفاع عن المعنى



في هذا المشهد، تبرز مسؤولية الثقافة والإعلام بوصفهما آخر خطوط الدفاع عن المعنى. فالمعركة على القدس ليست فقط معركة وجود مادي، بل معركة سردية: من يروي المدينة؟ من يحدد صورتها؟ ومن يملك الحق في تمثيلها؟



الإعلام، حين يتحرّر من التبسيط ومن تحويل القدس إلى “خبر عابر”، قادر على إعادة وضعها في سياقها الإنساني العميق. والثقافة، حين تخرج من إطار المناسبات والاحتفالات، تستطيع أن تحوّل الذاكرة إلى فعل مقاومة هادئ، طويل النفس، لكنه عميق الأثر.



القدس كمرآة للضمير الإنساني



القدس اليوم لا تختبر فقط القانون الدولي، ولا الخطاب السياسي، بل تختبر ضمير العالم، وقدرته على الاعتراف بالظلم حين يقع، حتى إن كان الاعتراف مكلفًا.



وهي، في الوقت نفسه، تختبرنا نحن:

تختبر قدرتنا على رؤية ما يتجاوز الحدث،

وعلى فهم أنّ الدفاع عن القدس ليس دفاعًا عن رمز ديني أو قومي فقط،

بل دفاع عن حق الإنسان في الذاكرة، وفي التعدّد، وفي أن لا يُمحى بصمت.



فالقدس، في جوهرها، ليست مجرد مدينة تحت الاحتلال،

بل سؤال مفتوح حول معنى العدالة في عالم يتآكل فيه المعنى



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...
- لدجل الرقمي: انكشاف العقل المأزوم في زمن فائض التكنولوجيا
- طقسُ النور حين يلمس الماء تأمّل وجداني في عيد الغطاس
- إشراقة الروح بين الأنقاض: قراءة في ديوان -من تراتيل العارفين ...
- حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي
- قراءة رائعة لهذا النص في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم.. الشعري ...
- الشجاعة في اختيار الرحيل
- الغراب: محكمة الرموز… وإدانة المرآة
- حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: ...
- طقس النور: الشمعة بوصفها موقفًا وجوديًا
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ قراءة موسّعة في مشروع ا ...
- في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم
- فيروز… ما لا يُقال بعد الأغنية


المزيد.....




- لطيفة تحتفل بمئوية يوسف شاهين بفيديو من كواليس -سكوت حنصوّر- ...
- غضب إسرائيلي من تحركات ويتكوف تجاه إيران
- بعد معلومات القسام.. الجزيرة تكشف موقع عملية الاحتلال لاستعا ...
- وول ستريت جورنال: اتهام أكبر جنرال صيني بتسريب أسرار نووية ل ...
- ما صلاحيات هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية؟
- فنزويلا ليست بعيدة عن المنطقة
- القناة 14 الإسرائيلية: المجلس الوزاري المصغر قرر الانتظار بش ...
- تقرير: وساطة ويتكوف تعرقل خيار الحرب على إيران
- لبنان.. غارات إسرائيلية مكثفة على مناطق متفرقة في الجنوب
- -ما دليلك؟- مواجهة حادة بين مذيعة CNN ومسؤول إنفاذ القانون ب ...


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - رانية مرجية - القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الحدث إلى مشروع الإلغاء