رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 15:45
المحور:
الادب والفن
ليس عيد الغطاس احتفالًا بالماضي،
بل مواجهة هادئة مع الحاضر،
ومساءلة عميقة للإنسان وهو يقف عاريًا أمام ذاته،
كما يقف الماء أمام النور: بلا ادّعاء، بلا أقنعة.
في هذا العيد، لا ينزل المسيح إلى نهر الأردن ليُعمَّد لأنّه محتاج إلى الطهارة،
بل لأنّ الإنسان محتاج إلى الرجاء.
ينزل الإله إلى عمق الماء،
لا ليقدّس الطبيعة فحسب،
بل ليقول إنّ الخلاص لا يحدث من فوق،
بل من الداخل… من العمق.
الغطاس هو لحظة انقلاب في منطق العالم.
العظمة لا تتجلّى في الصعود، بل في النزول.
القوّة لا تُثبت ذاتها بالهيمنة،
بل بالاقتراب.
والقداسة لا تنفصل عن الجسد،
بل تمرّ عبره.
حين يُقدَّس الماء في هذا العيد،
لا تتغيّر خواصه الفيزيائية،
لكنّ علاقته بنا تتغيّر.
يصير شاهدًا لا مادة،
ورمزًا لا وعاء.
وهكذا الإنسان أيضًا:
لا يصبح جديدًا حين تتبدّل ظروفه،
بل حين يُعاد ترتيب علاقته بذاته، وبالآخر، وبالله.
عيد الغطاس هو عيد الانكشاف.
انكشاف السماء على الأرض،
وانكشاف الإنسان على حقيقته.
فيه يُسأل كل واحد منا:
ما الذي فيك يحتاج إلى غَسل؟
ليس غَسل الذنب فقط،
بل غَسل التعب،
غَسل الخوف،
غَسل القسوة التي تراكمت من كثرة النجاة.
في هذا العيد،
يتحوّل الماء إلى مرآة.
من يقترب منه يرى وجهه كما هو،
بشقوقه، بتردّده، بعطشه القديم.
ولا يوبّخه النور،
بل يرافقه.
فالنور في الغطاس لا يفضح،
بل يشفي.
ما أعمق هذا العيد في زمنٍ نعيش فيه على السطح.
زمن السرعة، والانطباعات الأولى،
والحقائق المختصرة حدّ التشويه.
يأتي الغطاس ليعيدنا إلى العمق،
إلى البطء الضروري لفهم أنفسنا،
إلى الصمت الذي يسمح للمعنى أن يتكلّم.
الغطاس ليس طقسًا كنسيًا فحسب،
إنّه موقف وجودي.
أن تختار أن تنزل إلى أعماقك،
بدل أن تزيّن قشرتك.
أن تسمح للنور أن يلمس ما تهرّبت منه طويلًا.
أن تؤمن أنّ في داخلك نهرًا،
مهما تعكّر، ما زال قادرًا على استقبال السماء.
في عيد الغطاس،
لا نطلب معجزة خارقة،
بل شجاعة داخلية.
شجاعة أن نكون صادقين،
أن نبدأ من جديد دون ضجيج،
وأن نفهم أنّ الحياة،
مثل الماء،
لا تُمسك بالقبضة،
بل تُحتضن بالثقة.
كل عام،
ولنا من هذا العيد
عمقٌ لا يخاف النزول،
ونورٌ لا يخاف الملامسة،
وقلبٌ يعرف
أنّ الطريق إلى القيامة
يبدأ دائمًا
من الغطاس.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟