أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رانية مرجية - حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: لحظة مصرية نادرة لم تكتمل














المزيد.....

حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: لحظة مصرية نادرة لم تكتمل


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 13:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، لا تبدو الكتابة عنه مجرّد استعادة لزمنٍ مضى، بل محاولة لفهم الحاضر عبر لحظة تاريخية لم تُستنفد بعد. فبعض التجارب لا تفقد معناها لأنها فشلت، بل لأنها ظلّت — على نحوٍ مؤلم — غير مكتملة.
من بين تلك اللحظات، تبرز العلاقة بين عبد الناصر والبابا كيرلس السادس، لا بوصفها تفصيلًا بروتوكوليًا في تاريخ الحكم، بل بوصفها اختبارًا أخلاقيًا لفكرة الدولة نفسها: كيف يمكن للسلطة أن تتعامل مع الإيمان دون أن تُخضعه؟ وكيف يمكن للروح أن تحمي أبناءها دون أن تعزلهم عن وطنهم؟

الدولة حين تخاف الطائفية أكثر مما تخاف النقد
لم يكن عبد الناصر زعيمًا بلا تناقضات، ولا كانت دولته بلا أخطاء. لكن ما يميّز تجربته — مقارنةً بكثير مما تلاها — هو إدراكه المبكر أن الطائفية ليست مجرّد توتر اجتماعي عابر، بل تهديد وجودي لفكرة الوطن.
لهذا، لم يسمح لها أن تتحوّل إلى لغة سياسية، ولا إلى أداة تفاوض، ولا إلى “واقع طبيعي” يجب التعايش معه.
كان يؤمن أن الدولة، إذا اعترفت بالطوائف كوحدات سياسية، تبدأ لحظة تفككها، حتى لو بدا الاستقرار قائمًا ظاهريًا.
في هذا السياق، لم تُعامَل الكنيسة القبطية باعتبارها ممثلًا لأقلية تفاوض الدولة، بل باعتبارها مكوّنًا وطنيًا داخل إطار الدولة. وهذا فارق دقيق لكنه حاسم: الدولة لا “تمنح” حقوقًا على أساس ديني، بل تعترف بحقوق على أساس المواطنة.
غير أن هذا التصور الطموح اصطدم بواقعٍ أكثر تعقيدًا: قوانين موروثة، وبيروقراطية ثقيلة، ومجتمع لم يتصالح بعد مع فكرة الاختلاف المتساوي. فبقيت التجربة معلّقة بين ما أُريد لها أن تكون، وما استطاعت أن تحققه فعليًا.

البابا كيرلس السادس: الإيمان الذي رفض أن يتحول إلى سياسة
في الضفة الأخرى، كان البابا كيرلس السادس شخصية استثنائية، لا لأنها امتلكت نفوذًا، بل لأنها لم تسعَ إليه.
راهبٌ جاء من الصحراء لا من دهاليز السياسة، وحمل إلى الكرسي البابوي فهمًا عميقًا للدور الروحي: أن الكنيسة، إن تحوّلت إلى لاعب سياسي، خسرت قدرتها على أن تكون ملجأً للناس جميعًا.
لم يتبنَّ خطاب المظلومية، ولم يستثمر الألم القبطي في مواجهة الدولة، رغم أن الظروف كانت تسمح بذلك.
اختار طريقًا أكثر صعوبة وأقل شعبوية:
أن يحمي الأقباط دون أن يعزلهم،
وأن يطالب بحقوقهم دون أن يحوّل الكنيسة إلى حزب،
وأن يضع الوطن فوق الجراح دون أن ينكر وجود الجراح.
بهذا المعنى، لم تكن العلاقة بينه وبين عبد الناصر تحالفًا، بل تلاقٍ بين رؤيتين ترفضان تفكيك المجتمع باسم الحماية.

الكاتدرائية: حين يصبح الصمت موقفًا سياسيًا
لم يكن افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية عام 1968 حدثًا دينيًا أو عمرانيًا فحسب، بل كان نصًا سياسيًا مكتوبًا بلا كلمات.
أن يحضر رئيس الجمهورية افتتاح أكبر كاتدرائية قبطية، في زمن عربي مثقل بالهزيمة والأسئلة الوجودية، لم يكن مجاملةً ولا استعراضًا.
كان إعلانًا رمزيًا أن الكنيسة ليست ضيفًا في وطنها، وأن حضورها العلني لا يُحرج الدولة ولا يهددها.
الأهم من المشهد نفسه هو ما لم يُقال فيه:
لم تُستثمر الكاتدرائية في الدعاية، ولم تتحوّل إلى ورقة سياسية، بل تُركت لتعمل في الوعي العام كفكرة هادئة تقول:
الوطن لا يضعف حين يعترف بتعدده، بل ينهار حين يخافه.

ماذا أُعطي الأقباط؟ وماذا بقي عالقًا؟
الإنصاف يفرض قول الأمرين معًا:
نعم، وفّرت الدولة الناصرية مناخًا عامًا يُقلّل من حدّة الطائفية، ويُعلي خطاب الوحدة الوطنية، ويمنع تحويل الاختلاف الديني إلى صراع مفتوح.
لكنها لم تنجح في تفكيك كل البنى التمييزية، ولا في تحديث القوانين المرتبطة بالعبادة، ولا في تغيير الذهنيات الاجتماعية العميقة.
غير أن الفارق الجوهري يبقى هنا:
الطائفية لم تكن مقبولة ولا مُعاد تعريفها كواقع لا فكاك منه.
كانت تُرى خللًا يجب تقليصه، لا معطى يجب إدارته.
وهذا الفارق وحده يصنع مسافة أخلاقية شاسعة بين دولة تحاول احتواء الانقسام، ودولة تتعايش معه أو تستثمره.

لماذا نحتاج هذه اللحظة اليوم؟
لأننا نعيش زمنًا تُدار فيه الهويات بالخوف لا بالثقة،
وتُختزل فيه المواطنة في شعارات،
وتُترك العدالة لتصارع وحدها.
قصة عبد الناصر والبابا كيرلس ليست نموذجًا مثاليًا، لكنها تجربة شجاعة غير مكتملة.
تجربة تقول إن العلاقة بين الدولة والدين لا يجب أن تكون صدامًا ولا تبعية، بل توازنًا أخلاقيًا.
وأن حماية الجماعة لا تكون بعزلها، بل بإدماجها دون إذابة.

خاتمة
في ذكرى ميلاد جمال عبد الناصر، لا نكتبه بوصفه أيقونة، بل بوصفه رجلًا حاول — في لحظة تاريخية صعبة — أن يجعل الدولة أوسع من الخوف.
ونستعيد البابا كيرلس السادس لا كرمز ديني فحسب، بل كضمير فهم أن الإيمان، حين ينحاز للوطن، لا يفقد قدسيته.
بين الرجلين، مرّت لحظة مصرية نادرة، لم تُنجز كل ما وعدت به، لكنها قالت ما لم يُقَل كثيرًا بعدها:
أن الدولة حين تحترم الروح، لا تضعف.
وأن الروح حين تحترم الدولة، لا تُستَخدم.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طقس النور: الشمعة بوصفها موقفًا وجوديًا
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ قراءة موسّعة في مشروع ا ...
- في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم
- فيروز… ما لا يُقال بعد الأغنية
- الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية
- «سادنُ الروح» حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي
- المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب ...
- بيان إنساني
- الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: حين يتحوّل العنف ...
- الوضوح ليس ضعفًا بل موقف أخلاقي
- من شقوق العسر يطلّ اليسر: تأمّل في الرجاء بوصفه وعيًا لا عزا ...
- الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي
- العربيزي… حين تُهمَّش العربية في الفضاء الرقمي
- تمرين على النور
- ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى
- يا قلمُ
- تفكيك البديهي
- ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست؟
- َدْفِنُ مَوْتَانَا وَنَنْهَض
- العبوة النازفة… رواية الإنسان حين يصبح جبهة قتال داخلية قراء ...


المزيد.....




- قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي يستقبل جمعا غفيرا من ...
- قائد الثورة الإسلامية: نعتبر الرئيس الأمريكي مجرما بسبب الاف ...
- قائد الثورة الإسلامية: نعتبر ترامب مجرما بسبب الأضرار التي أ ...
- اعتراف مرشح يهودي للكونغرس بوقوع الإبادة الجماعية في غزّة 
- بعد البهائيين واليهود.. حملة اعتقالات تطال المسيحيين في اليم ...
- وفاة إمام مسجد نيجيري أنقذ حياة عشرات المسيحيين في 2018
- شيخ الأزهر: الأقصى ركن من هوية المسلمين ومحاولات طمسه مرفوضة ...
- بوتين لبزشكيان: خروج ملايين الإيرانيين في مسيرات دعماً للنظا ...
- بين وطنين.. حكاية يهود إيران في لوس أنجلوس
- -الجمهورية الإسلامية ستسقط-.. بهلوي يُعلن عزمه العودة إلى إي ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رانية مرجية - حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: لحظة مصرية نادرة لم تكتمل