أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية














المزيد.....

الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 10:01
المحور: المجتمع المدني
    


ليست الذاكرة سجلًا محايدًا لما انقضى، ولا استعادةً عاطفية لزمنٍ غائب، بل هي المجال العميق الذي يتكوّن فيه المعنى، وتُصاغ عبره علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. وعند كبار السن، تبلغ الذاكرة ذروة اكتمالها لا لكثرة ما احتوته من أحداث، بل لنضج ما راكمته من فهم، حيث يتحوّل العيش من اندفاعٍ في الزمن إلى تأمّلٍ فيه، ومن عبوره إلى مساءلته.

كبار السن لا يقيمون في الماضي كما يُشاع، بل يحملونه في وعيهم بوصفه مادة للفهم لا للهروب. إنهم يعيدون ترتيب حياتهم عبر التذكّر، ويمنحون تجاربهم شكلًا قابلًا للاستيعاب بعد أن اجتازت تحوّلاتها الكبرى. ومع ذلك، كثيرًا ما يُدفع بهم إلى هامش الخطاب الاجتماعي، ويُختزل حضورهم في أبعاد نفعية ضيّقة: الرعاية، الحاجة، أو العجز، في تغييبٍ مؤلم لأثمن ما يملكون — ذاكرتهم وخبرتهم الإنسانية.

حين يُمنح كبير السن فرصة الكلام، لا يكون ذلك مجرّد تواصل، بل فعل اعتراف بإنسانيته الكاملة. فالسرد ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة وجودية؛ به تُستعاد الكرامة، ويُعاد وصل ما انقطع بين الإنسان وتاريخه الشخصي. الذاكرة التي لا تُروى تتحوّل إلى صمتٍ ثقيل، والصمت حين يطول يصبح شكلًا من أشكال الإقصاء غير المعلن.

غير أن الذاكرة ليست دائمًا مساحة مطمئنة. بعضُها مثقل بالخسارات، وبما لم يتحقق، وبأشكال الفقد التي لا تُستعاد. لكن النضج الإنساني لا يقوم على محو الألم، بل على احتوائه وفهمه. حين يُصغى إلى الألم دون شفقةٍ مبتذلة أو أحكامٍ مسبقة، يتحوّل من عبءٍ داخلي إلى معرفة، ومن جرحٍ مفتوح إلى خبرة قابلة للتأمّل. عندها، تصبح الذاكرة فعل مصالحة لا محكمة إدانة.

المقارنة التي يجريها كبار السن بين الماضي والحاضر لا تنبع من رفضٍ للتغيير، بل من وعيٍ بثمنه. فهم لا يسألون: لماذا تغيّر كل شيء؟ بل: ماذا خسرنا ونحن نتغيّر؟ وفي هذا السؤال تتجلّى قضايا عميقة تتعلّق بالعلاقات الإنسانية، وبمعنى الجماعة، وبالقيم التي تراجعت لصالح السرعة والمنفعة. وهي أسئلة لا تخص جيلًا بعينه، بل تمسّ مستقبل المجتمع بأكمله.

وحين يوجّه كبير السن رسالة إلى الجيل الجديد، فهو لا يمارس سلطة التجربة، بل يضع خلاصتها أمام الآخرين بوصفها احتمالًا للفهم لا وصاية. تلك الرسائل لا تدّعي امتلاك الحقيقة، لكنها تفتح أفق التفكير، وتؤكّد أن الحياة — بكل ما فيها من تعثّر وانكسار — قابلة لأن تُفهم، وأن الفشل نفسه يمكن أن يتحوّل إلى معرفة.

إن المجتمع الذي لا يُصغي إلى ذاكرته الحيّة يفقد بوصلته الأخلاقية. فالتقدّم الذي لا يستند إلى الذاكرة يتحوّل إلى حركة بلا اتجاه. واحترام كبار السن لا يُقاس بكمّ الخدمات المقدّمة لهم، بل بقدرتنا على الإصغاء إليهم بوصفهم شركاء في المعنى، لا شهودًا صامتين على زمنٍ انقضى.

في المحصلة، الذاكرة ليست شأنًا فرديًا، بل مسؤولية جماعية. وحين نحسن الإصغاء إلى كبار السن، لا نحفظ ذاكرتهم وحدهم، بل نؤسّس لوعيٍ إنساني أكثر نضجًا، يعترف بأن قيمة الإنسان لا تتناقص مع العمر، بل تتكثّف.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «سادنُ الروح» حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي
- المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب ...
- بيان إنساني
- الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: حين يتحوّل العنف ...
- الوضوح ليس ضعفًا بل موقف أخلاقي
- من شقوق العسر يطلّ اليسر: تأمّل في الرجاء بوصفه وعيًا لا عزا ...
- الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي
- العربيزي… حين تُهمَّش العربية في الفضاء الرقمي
- تمرين على النور
- ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى
- يا قلمُ
- تفكيك البديهي
- ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست؟
- َدْفِنُ مَوْتَانَا وَنَنْهَض
- العبوة النازفة… رواية الإنسان حين يصبح جبهة قتال داخلية قراء ...
- لغةُ الإنسان
- عامٌ جديد… هَبْهُ لنا كما ينبغي
- اعتياد الموت: حين يفقد الوجدان حقّه في الارتجاف
- حين تضرب الإعاقة… وتُديننا جميعًا
- وداعًا عزيزنا عصام مخول


المزيد.....




- الأونروا تطالب برفع القيود عن مساعدات غزة فورا
- نابلس تحت حصار اقتحام قوات الاحتلال وحملة اعتقالات في -الياس ...
- قسد تعلن اانسحاب مقاتليها من حلب ومدير المرصد السوري يتهم ال ...
- شتاءُ الخيام… حين ترتجفُ أحلامُ النازحين قبل أجسادهم!!
- بعد اعتقال مادورو.. هل يقدم ترامب على مهاجمة دول في أفريقيا؟ ...
- إيران.. اعتقال 200 من قادة الاحتجاجات
- الأونروا: أطفال غزة يعيشون أوضاعا مزرية
- الأمم المتحدة: أكثر من 9 ملايين نازح و21 مليونا يعانون من ان ...
- كرد سوريا يتظاهرون في مدن الإقليم وبارزاني يتدخل لتهدئة الأو ...
- تظاهرات بذكرى الثورة في تونس تطالب بالإفراج عن المعتقلين


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية