أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - رانية مرجية - المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب الإذن














المزيد.....

المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب الإذن


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 02:53
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


قبل عام 1948، لم يكن المسيحي العربي في بلاد الشام موضوعًا للنقاش، ولا حالة تُستدعى للتبرير، ولا هوية تبحث عن اعتراف. كان حاضرًا كما تكون الجغرافيا حاضرة: صامتة في بداهتها، عميقة في جذورها، وغير قابلة للجدل. لم يكن يحتاج إلى خطاب يثبّت وجوده، لأن وجوده لم يكن موضع شك.
في تلك البلاد، لم تكن الهوية تُفصَّل على قياس الطوائف، بل كانت تُعاش بوصفها انتماءً طبيعيًا إلى أرض، ولغة، وذاكرة مشتركة. كان المسيحي العربي جزءًا من النسيج الاجتماعي، لا خيطًا زائدًا فيه، ولم يكن المجتمع يُدار بمنطق العدد، بل بمنطق الشراكة. لم يكن هناك وعي بالأقلية، لأن الاستعمار لم يكن قد فرض بعد لغته التقسيمية على الوعي الجمعي.
في فلسطين، كما في سائر بلاد الشام، كان المسيحي العربي ابن المكان لا وريثه المؤقت. علاقته بالأرض لم تكن علاقة ملكية، بل علاقة حياة يومية: في الحقل، في السوق، في المدرسة، في الصحيفة، وفي المدينة التي تتنفس بأهلها. كان يصلّي في كنيسته، ويتكلم العربية، ويفكّر بعقل مشرقي مفتوح على العصر، دون أن يرى في ذلك تناقضًا.
لم يكن انخراط المسيحيين العرب في التعليم، والصحافة، والفكر النهضوي نزوعًا إلى التميّز، بل إدراكًا مبكرًا أن الوعي هو خط الدفاع الأول عن المجتمع. فأسّسوا المدارس لا ليصنعوا نخبة منفصلة، بل ليحصّنوا المجتمع كله. وكتبوا، وترجموا، ونشروا، لأنهم أدركوا أن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل وعاء السيادة.
في فلسطين تحديدًا، تبلور هذا الوعي في مواجهة المشروع الصهيوني بوصفه مشروع اقتلاع شامل، لا خلافًا دينيًا، ولا صراعًا بين معتقدات. فهم المسيحي الفلسطيني أن الخطر يكمن في محو الإنسان من مكانه، وفي استبدال التاريخ بسردية مصنّعة. لذلك كان موقفه حاسمًا، ووطنيًا، وغير قابل للتأويل: هذه أرضنا، لا لأنها مقدسة فقط، بل لأنها مأهولة بأصحابها.
لم يكن المسيحي العربي وسيطًا بين الشرق والغرب، كما حاولت بعض القراءات السطحية أن تصوّره، بل كان منحازًا بوضوح إلى مجتمعه، وإلى قضيته، وإلى مصيره المشترك مع باقي أبناء وطنه. لم يقف على الحياد، ولم يبحث عن حماية خاصة، ولم يرَ في ذاته استثناءً يستحق معاملة مختلفة.
ثم جاءت نكبة عام 1948، لا لتقتلع الناس من بيوتهم فحسب، بل لتكسر الاستمرارية التاريخية للهوية. فجأة، صار المسيحي العربي يُعرَّف بما لم يكن يُعرَّف به من قبل: طائفته، عدده، وضعه، وحاجته إلى الحماية. وهنا بدأت المأساة الأعمق: مأساة تحويل الوجود الطبيعي إلى قضية، والانتماء الواضح إلى سؤال.
لم يُهجَّر المسيحي الفلسطيني لأنه مسيحي، بل لأنه فلسطيني. غير أن ما تلا النكبة حاول أن يفصل بين الأمرين، وأن يعيد صياغة المسيحي العربي بوصفه “مكوّنًا” لا شريكًا، و“حالة” لا أصلًا من أصول المكان. وهكذا لم تُصادر الأرض فقط، بل صودرت الرواية.
اليوم، حين نكتب عن المسيحيين العرب في بلاد الشام قبل 1948، فنحن لا نستحضر ماضيًا منتهيًا، بل نستعيد نموذجًا للهوية العربية قبل أن تُكسَر: هوية لم تكن خائفة من تنوّعها، ولا محتاجة إلى وصاية، ولا قابلة للتجزئة. هوية كانت ترى في التعدد قوة، لا تهديدًا.
إن استعادة هذا الوجود ليست حنينًا، بل فعل وعي. وليست دفاعًا عن جماعة، بل دفاعًا عن فكرة الوطن نفسه. فالوطن الذي لا يعترف بكامل ذاكرته، محكوم بأن يعيش ناقصًا، مهما ادّعى الاكتمال.
المسيحي العربي في بلاد الشام لم يكن طارئًا على التاريخ، بل أحد أعمدته.
وما هُدِمَت الأعمدة، بل غُطِّيَت.
وما زال رفع الغطاء ممكنًا.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيان إنساني
- الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: حين يتحوّل العنف ...
- الوضوح ليس ضعفًا بل موقف أخلاقي
- من شقوق العسر يطلّ اليسر: تأمّل في الرجاء بوصفه وعيًا لا عزا ...
- الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي
- العربيزي… حين تُهمَّش العربية في الفضاء الرقمي
- تمرين على النور
- ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى
- يا قلمُ
- تفكيك البديهي
- ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست؟
- َدْفِنُ مَوْتَانَا وَنَنْهَض
- العبوة النازفة… رواية الإنسان حين يصبح جبهة قتال داخلية قراء ...
- لغةُ الإنسان
- عامٌ جديد… هَبْهُ لنا كما ينبغي
- اعتياد الموت: حين يفقد الوجدان حقّه في الارتجاف
- حين تضرب الإعاقة… وتُديننا جميعًا
- وداعًا عزيزنا عصام مخول
- عامٌ ينكسر… وآخر يُختبر: تأملات في وعي الشرق الأوسط
- محمد بكري… حين يغادر الضمير جسدًا ويبقى شاهدًا


المزيد.....




- شريكة في حانة سويسرية تعتذر باكية بعد حريق رأس السنة أدى لمق ...
- الجيش السوري يعلن استكمال تمشيط حي الشيخ مقصود بحلب، ويطالب ...
- سوريا: القوات الحكومية تعلن استكمال عملية أمنية داخل حيّ كرد ...
- قادة الأحزاب السياسية في غرينلاند: -لا نريد أن نكون أمريكيين ...
- نتنياهو: أرغب في الاستغناء عن المساعدات الأميركية في غضون 10 ...
- ترامب يدعو شركات نفط كبرى للاستثمار في فنزويلا وكاراكاس تسعى ...
- نتنياهو: جوهر إستراتيجيتنا في غزة نزع السلاح من حماس والقطاع ...
- فصيل كولومبي متمرد يدعو لتشكيل جبهة لمواجهة التهديد الأميركي ...
- ترامب وحلم غرينلاند.. الناتو في مأزق -لعبة الصفقات-
- لاريجاني: إيران في قلب حرب.. ويلوح بالخطر الداخلي


المزيد.....

- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - رانية مرجية - المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب الإذن