أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - من شقوق العسر يطلّ اليسر: تأمّل في الرجاء بوصفه وعيًا لا عزاء














المزيد.....

من شقوق العسر يطلّ اليسر: تأمّل في الرجاء بوصفه وعيًا لا عزاء


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 18:51
المحور: قضايا ثقافية
    


هناك لحظة بعينها لا تشبه سواها؛ لحظة لا يعود فيها الضيق مجرّد ظرف عابر، بل يتحوّل إلى مناخ داخلي. يصبح الألم طريقة في النظر، وإيقاعًا في التنفّس، ونبرة خفيّة تلوّن التفاصيل كلّها. عندها لا يثقل القلب سؤال «لماذا؟» وحده، بل ذاك السؤال الأعمق والأقسى: هل لهذا ما نعيشه معنى؟ وهل للغد مكان في هذا العتم؟

في مثل هذه المفاصل الحسّاسة من التجربة الإنسانية، لا يأتي الرجاء بوصفه عبارة مُعلّقة على جدار الروح، بل كقوّة تعيد ترتيب الداخل. هنا يلتقي صوتان مقدّسان، من مرجعيتين مختلفتين في اللغة والطقس، متّحدتين في الجوهر: الإنسان لا يُترك وحيدًا في ضيقه، والعسر ليس الكلمة الأخيرة.

القرآن الكريم يسمّي الألم باسمه الصريح: عُسر. لا يخفّفه ولا يموّه حضوره. لكنه، في اللحظة نفسها، ينزع عنه سلطة الاكتمال، فيؤكّد أن معه يسرًا، ويكرّرها توكيدًا لا يترك مجالًا للارتياب. ليست الفكرة وعدًا مؤجّلًا لما بعد انتهاء الشدّة، بل إعلانًا أن اليسر يسير بمحاذاة العسر، يعمل في داخله، ويتشكّل في شقوقه، حتى وإن عجزت العين عن التقاطه.

وفي الكتاب المقدس، يتقدّم الرجاء من باب آخر: باب القصد والمعنى. فالأحداث لا تُقرأ بوصفها مصادفات عمياء، بل ضمن أفق أوسع تحكمه أفكار إلهية لا تتّجه نحو الشر، بل نحو السلام، مستقبلٍ مفتوح، ورجاء. هنا لا يُختصر الخلاص في لحظة انفراج، بل في مسار تقوده عناية تعرف الطريق حتى حين يجهله السائرون.

بين اليسر الملازم للعسر، والفكرة الإلهية التي تقصد السلام، تتكوّن رؤية مختلفة للحياة: رؤية لا تنكر الشقوق، لكنها ترفض أن تتحوّل الشقوق إلى هوية. فالرجاء، في هذا العمق، ليس شعورًا عاطفيًا عابرًا، ولا تمرينًا نفسيًا لتسكين الخوف، بل وعي أخلاقي ووجودي. أن يختار الإنسان ألا يُختزل في انهياره، وألا يمنح الألم حق تعريفه، وأن يترك في داخله حيّزًا مفتوحًا للمعنى.

التفكير الإيجابي، حين ينبع من هذا المنبع الروحي، يتجاوز سطحية الشعارات. يصبح موقفًا من العالم: اعترافًا بمرارة الواقع دون الارتهان لها، وإيمانًا بأن الطريق وإن ضاق، ليس مسدودًا. فالفرق بين من ينجو ومن يغرق لا يكون دائمًا في حجم الموج، بل في المساحة الداخلية التي يتركها للرجاء كي يعمل.

وقد لا يأتي اليسر كما نتخيّله. قد لا يكون معجزة مدوّية، بل تحوّلًا هادئًا في الداخل: قدرة جديدة على الاحتمال، حكمة تولد من الانكسار، قلب أقل قسوة، أو شجاعة تنمو في الظل. كثيرًا ما تُخطئ أعيننا رؤية اليسر لأننا ننتظره كاملًا دفعة واحدة، بينما الرحمة تعمل بالتدريج.

أما أفكار السلام، فهي تمسّ جذر الخوف الأعمق: خوف الإنسان من أن يكون منسيًا، بلا قصد، بلا عناية. لكنها تقول له إن وجوده ليس متروكًا للصدفة، وإن المستقبل ليس فراغًا بل وعد. لا وعد بسهولة الطريق، بل بمعناه. ومن يسير بمعنى، وإن تعثّر، ينهض.

هكذا يتشكّل الرجاء كفعل داخلي شاقّ: مقاومة يومية للاستسلام، وحراسة واعية للسلام وسط ضجيج التفاصيل. لا بطولة صاخبة هنا، بل ثبات هادئ. لا إنكار للدموع، بل رفض لمنحها مفاتيح الغد. يكفي أن نصدّق أن اليسر حاضر، ولو كبذرة، وأن السلام اتجاه يُسلك، لا خاتمة بعيدة.

في النهاية، لا يعود العسر نقيض الرجاء، بل موضع ولادته. ومن مفارقات الحياة أن الإنسان لا يتعلّم السلام في أوقات الرخاء بقدر ما يتعلّمه في ارتجافة الضيق، حين يفتّش عن معنى يرفعه، وعن يد لا تُفلت قلبه.

هكذا، يصبح الرجاء قرارًا:
أن الحياة، مهما ضاقت، قابلة للاتساع.
وأن السلام ليس حلمًا مؤجّلًا، بل طريقًا.
وأن الله، في عمق العسر، يعمل على اليسر،
ويقصد السلام،
ويُعدّ للإنسان… مستقبلًا ورجاء



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي
- العربيزي… حين تُهمَّش العربية في الفضاء الرقمي
- تمرين على النور
- ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى
- يا قلمُ
- تفكيك البديهي
- ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست؟
- َدْفِنُ مَوْتَانَا وَنَنْهَض
- العبوة النازفة… رواية الإنسان حين يصبح جبهة قتال داخلية قراء ...
- لغةُ الإنسان
- عامٌ جديد… هَبْهُ لنا كما ينبغي
- اعتياد الموت: حين يفقد الوجدان حقّه في الارتجاف
- حين تضرب الإعاقة… وتُديننا جميعًا
- وداعًا عزيزنا عصام مخول
- عامٌ ينكسر… وآخر يُختبر: تأملات في وعي الشرق الأوسط
- محمد بكري… حين يغادر الضمير جسدًا ويبقى شاهدًا
- عقدٌ من النور… حين يصبح التكريم سيرة وطنٍ تربويٍّ وإنسانيّ
- العلّاندا… حين يتقن الضوء فنّ الإيذاء
- في عيد الميلاد… ميتافيزيقا الشمعة والغياب
- «حين يصير الصمت خلاصًا: الراهبات كضميرٍ حيّ للإنسانية»


المزيد.....




- طائرات مقاتلة أردنية تشارك بضرب أهداف داعش في سوريا السبت
- غارات إسرائيلية في غزة والاحتلال يعترف بقتل 3 فلسطينيين
- الجزيرة نت ترصد تفاصيل -مرعبة- لحياة الغزّيين عند -الخط الأص ...
- شاهد.. محتج ينزع العلم الإيراني ويرفع علم ما قبل الثورة بمبن ...
- هذه تفاصيلها.. ترامب يصدر أمرا لإعداد خطة -غزو غرينلاند-
- -كنت أظنّ أنني الأم الوحيدة التي تبحث عن صغيرها، حتى أدركتُ ...
- مع سعي ترامب لاستثمارات بـ 100 مليار دولار، رئيس -إكسون- يصف ...
- ترامب: -إيران تتطلع للحرية... نحن متأهبون للمساعدة-
- بنغلاديش تسعى للانضمام إلى القوة الدولية المقترح نشرها في غز ...
- نيويورك تايمز: لهذا التزم بوتين الصمت عندما تحداه ترامب بالت ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - من شقوق العسر يطلّ اليسر: تأمّل في الرجاء بوصفه وعيًا لا عزاء