أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى














المزيد.....

ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 16:52
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تكن ثنائية الفقر والغِنى في الأدب مجرّد انعكاسٍ لواقعٍ اجتماعي أو توصيفٍ اقتصادي، بل شكّلت منذ بدايات الكتابة أحد المفاتيح الأكثر حساسية لفهم علاقة الإنسان بالعالم وبالقيمة وبالعدالة. فالأدب، بخلاف الخطابات الأخرى، لا يتعامل مع الفقر والغِنى بوصفهما حالتين ماديتين فحسب، بل بوصفهما تجربتين وجوديتين تكشفان طبيعة النظام الذي ينتجهما، وتعرّيان العلاقة المعقّدة بين السلطة والإنسان والمعنى.

منذ شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، لم يكن الفقر مجرّد عوزٍ أو حرمان، بل كان خروجًا واعيًا عن منظومة قبلية تُقاس فيها الكرامة بما يملكه الفرد لا بما هو عليه. الصعلوك لم يكتب فقره طلبًا للشفقة، بل بوصفه موقفًا احتجاجيًا، ورفضًا لمنطق الإقصاء والتفاوت. لقد حوّل الهامش إلى صوت، والعوز إلى سؤال أخلاقي، والقصيدة إلى مساحة مساءلة لشرعية العالم القائم.

ومع تطوّر الأدب العربي، ظلّ الفقر حاضرًا لا كموضوع ثابت، بل كسؤال متحوّل. في الأدب الحديث، لم يكن فقر العقاد أو السيّاب أو أمل دنقل تفصيلًا عرضيًا في سيرهم، بل جزءًا من تكوين رؤيتهم للعالم. لم يُقدَّم الفقر في كتاباتهم بوصفه بطولة أخلاقية، ولا بوصفه قدرًا يُحتفى به، بل كحالة قاسية تكشف هشاشة الإنسان، وفي الوقت ذاته تفضح زيف الخطاب الذي يربط القيمة الإنسانية بالنجاح المادي.

هنا، يتجاوز الفقر في الأدب كونه حالة اجتماعية ليصبح أداة كشف. فهو لا يُظهر ضعف الفقير بقدر ما يفضح البنية التي تُعيد إنتاج الفقر وتُطَبِّعه. لذلك، فإن السؤال الأدبي الأعمق لا يدور حول ماهية الفقر بقدر ما يدور حول كيفية تمثيله، وإسكاته، وتهميشه، أو تحويله إلى خطاب أخلاقي فارغ يبرّر العجز بدل مساءلة أسبابه.

في عصرنا الراهن، حيث نعيش ما يمكن تسميته بـ“عولمة الفقر”، تغيّرت أشكاله ولم يختفِ. لم يعد الفقر محصورًا بالجوع أو الحرمان المباشر، بل تمدّد ليشمل فقر الاعتراف، وفقر الأمان، وفقر المعنى. ومع هذا التحوّل، تغيّرت صورة الصعلوك أيضًا. لم يعد ذلك الخارج على القبيلة بسيفه ولسانه، بل أصبح الكاتب الهامشي، المثقف غير المرئي، المبدع الذي لا ينسجم مع منطق السوق الثقافي، ولا يمتلك أدوات الترويج، ولا يُجيد تحويل نصّه إلى سلعة قابلة للاستهلاك السريع.

صعاليك اليوم لا يُقصَون بالصوت العالي، بل بالصمت. يُدفعون إلى أطراف المشهد، لا لأنهم بلا موهبة، بل لأن حضورهم يُربك سردية النجاح السائدة. هنا، يصبح الفقر الأدبي فقرًا في الاعتراف قبل أن يكون فقرًا في الجيب، وتصبح الكتابة فعلًا هشًّا في عالم يُكافئ الضجيج أكثر مما يُكافئ العمق.

هل ترفّع الأدباء عن الكتابة حول الفقر؟
ربما لم يترفّعوا، لكن كثيرين باتوا يترددون. فالفقر في زمن النيوليبرالية يُقدَّم غالبًا بوصفه فشلًا فرديًا لا خللًا بنيويًا، والكتابة عنه تُعدّ خروجًا عن خطاب “النجاح” السائد. ومع ذلك، تظل الكتابة عن الفقر ضرورة أخلاقية وثقافية، لأنها تُذكّر بأن المعاناة ليست قدرًا شخصيًا، بل نتيجة منظومات غير عادلة.

أما المقولة القائلة إن من اختار احتراف الكتابة اختار معها الفقر، فهي ليست حكمًا مطلقًا، لكنها تكشف مأزقًا ثقافيًا عميقًا في مجتمعات لا تزال ترى في الأدب ترفًا لا ضرورة، وفي الثقافة هامشًا لا بنية. ومع ذلك، يبقى الأدب أحد الفضاءات القليلة التي يمكن فيها للفقر أن يتحوّل من صمتٍ مُهين إلى معنى، ومن هامشٍ مظلم إلى سؤال مفتوح.

في النهاية، قد لا يُغيّر الأدب شروط الفقر، لكنه يمنع تطبيعه.
وقد لا يُنقذ الفقراء، لكنه يحفظ ذاكرتهم من النسيان.
وفي عالم يسعى إلى تسليع كل شيء، تبقى هذه الوظيفة الصامتة شكلًا عميقًا من أشكال المقاومة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يا قلمُ
- تفكيك البديهي
- ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست؟
- َدْفِنُ مَوْتَانَا وَنَنْهَض
- العبوة النازفة… رواية الإنسان حين يصبح جبهة قتال داخلية قراء ...
- لغةُ الإنسان
- عامٌ جديد… هَبْهُ لنا كما ينبغي
- اعتياد الموت: حين يفقد الوجدان حقّه في الارتجاف
- حين تضرب الإعاقة… وتُديننا جميعًا
- وداعًا عزيزنا عصام مخول
- عامٌ ينكسر… وآخر يُختبر: تأملات في وعي الشرق الأوسط
- محمد بكري… حين يغادر الضمير جسدًا ويبقى شاهدًا
- عقدٌ من النور… حين يصبح التكريم سيرة وطنٍ تربويٍّ وإنسانيّ
- العلّاندا… حين يتقن الضوء فنّ الإيذاء
- في عيد الميلاد… ميتافيزيقا الشمعة والغياب
- «حين يصير الصمت خلاصًا: الراهبات كضميرٍ حيّ للإنسانية»
- ما بعد التحجّر
- رقصة الأرواح
- رقصة الأرواح نص شعري
- قراءة في معنى العدالة الإلهية وسط عالم مرتبك «لأن عيني الرب ...


المزيد.....




- -ستارلينك أصبحت متاحة مجانًا في إيران-.. مصدر يوضح لـCNN الت ...
- ما هي الخيارات المحتملة على طاولة ترامب لحسم الأوضاع في إيرا ...
- ترامب يقوم بـ-إشارة بذيئة- لشخص خلال جولة في مصنع.. والبيت ا ...
- رضا بهلوي يوجه -رسالة- إلى الجيش الإيراني بشأن الاحتجاجات
- غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب أون ...
- واشنطن تقترب من تعيين لجنة فلسطينية لإدارة غزة وشعت مرشح لرئ ...
- المغرب يحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2976
- مشروع قانون لجعل غرينلاند -الولاية الأميركية الـ51-
- تنازل السوداني للمالكي عن رئاسة الوزراء يثير جدلا في العراق ...
- الشهراني يبحث في عدن ترتيبات أمنية وعسكرية للمرحلة المقبلة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى