أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - «سادنُ الروح» حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي














المزيد.....

«سادنُ الروح» حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 03:18
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


منذ عنوانه، يضع كتاب «سادن الروح» قارءَه أمام إشارة دلالية كثيفة: فالسادن ليس مالكًا ولا صانعًا، بل حارسًا، خادمًا لمعنى أسمى منه. هكذا يعلن الأستاذ فهيم أبو ركن منذ العتبة الأولى أن ما بين أيدينا ليس سردًا ترفيهيًا، بل نصّ حراسةٍ للجوهر الإنساني، ومحاولة للإمساك بتلك المنطقة الهشّة التي تتصارع فيها الحرية مع القدر، والعقل مع الإغواء، والاختيار مع الألم.
مسرح الأفكار بدل حكاية الأحداث
لا يتقدّم «سادن الروح» كرواية تقليدية، بل كـمسرح فكري تُستدعى إليه شخصيات رمزية: سقراط، الشيطان، الملائكة، الملك، والإنسان المتردد بين أسمائهم. هذه الشخصيات لا تتحرك داخل زمنٍ محدد أو مكانٍ ملموس، بل داخل وعي الإنسان نفسه. الحدث الحقيقي هنا ليس ما يقع، بل ما يُفكَّر فيه، وما يُتَّخذ من قرارات.
بهذا الاختيار، يضع الكاتب قارءَه في موقع الشريك لا المتلقي؛ فالقارئ لا “يتابع” القصة، بل يُستدرج إلى داخلها.
سقراط: ضمير السؤال المستمر
يحضر سقراط في «سادن الروح» لا بوصفه شخصية تاريخية، بل كـضميرٍ يقِظ، كصوت العقل الذي يرفض الخضوع للصمت المريح. هو السؤال الذي لا يهدأ، حتى حين يكون السؤال مُكلفًا. وفي مواجهته مع السلطة العليا، لا يبدو النص معاديًا للإيمان، بل ناقدًا لفكرة الطاعة غير الواعية.
السؤال الذي يطرحه النص بجرأة هو:
هل الفضيلة طاعة أم وعي؟
وهل يمكن للإيمان أن يكون حيًّا بلا مساءلة؟
الشيطان: إغواء اللغة لا قبح الفعل
أحد أكثر عناصر الكتاب قوة هو تقديم الشيطان بوصفه بلاغةً لا وحشًا. الشر هنا لا يصرخ، بل يهمس. لا يفرض نفسه، بل يقترح. وهذا تأويل بالغ الذكاء، لأن أخطر أشكال الشر في عالمنا المعاصر لا تأتي في صورة صدام، بل في صورة “خيار منطقي”.
غير أن هذا الحضور الكثيف للشرح على لسان الشيطان، في بعض المقاطع، قد يُضعف التوتر الدرامي، حين يتحوّل الرمز إلى مفسّر مباشر. كان يمكن للصمت أو للاختزال أن يضيف عمقًا أكبر دون أن يُفقد الفكرة وضوحها، ولكن يبدو أن الكاتب بتكثيف الشرح عبّر عن دوام وجود الشيطان في حيز حياتنا ومحاولاته الجادّة المتكررة للإغواء، ولتزيين الشر الذي يخدع الكثير من الناس بإبعادهم عن الفضيلة وهي المعرفة، وتزيين الرذيلة وهي الجهل؛ فالفاضل - كما يقول سقراط - هو العالم بما هو خير، والجاهل هو من يرتكب الشر لعدم معرفته.
الإنسان بين المثال والواقع
يراهن «سادن الروح» على مسؤولية الإنسان الأخلاقية وقدرته الدائمة على الاختيار، وهو رهان أخلاقي نبيل. إلا أن النص، في سعيه للدفاع عن حرية الإرادة، يمر أحيانًا سريعًا على ثقل الظروف الإنسانية: القهر، الفقر، الخوف، والاضطرار.
لو مُنحت هذه المناطق الهشّة مساحة أوسع، لأصبح السؤال الأخلاقي أكثر إيلامًا، وأكثر التصاقًا بواقع الإنسان العادي، لا الإنسان المثالي فقط.
لغة مشحونة… بين القوة والضغط
يكتب فهيم أبو ركن بلغة عالية الإيقاع، تعتمد التكرار والتوكيد والنداء، ما يمنح النص حرارة وجدانية واضحة. هذه اللغة تنجح في شدّ القارئ، لكنها في بعض المواضع تضغط على الفكرة بدل أن تفسح لها المجال كي تتنفس.
عندما يهدأ الإيقاع، يبرز العمق الفلسفي للنص بجلاء؛ وحين يعلو، يقترب العمل من البيان الأخلاقي. وبين هذين المستويين يتشكل توتر النص وجماله معًا.
خاتمة
«سادن الروح» ليس كتاب إجابات، بل كتاب اختبار. اختبار لمدى استعداد القارئ لأن يرى نفسه في مرآة السؤال، لا في طمأنينة اليقين الجاهز. إنه عمل يدعو إلى اليقظة، ويُذكّر بأن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الخطأ، بل التخلّي عن السؤال.
في زمن تتكاثر فيه الأصوات الجاهزة، يقدّم فهيم أبو ركن نصًا يطالب القارئ بالشجاعة: شجاعة التفكير، وشجاعة الاختيار، وشجاعة تحمّل تبعات الوعي.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب ...
- بيان إنساني
- الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: حين يتحوّل العنف ...
- الوضوح ليس ضعفًا بل موقف أخلاقي
- من شقوق العسر يطلّ اليسر: تأمّل في الرجاء بوصفه وعيًا لا عزا ...
- الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي
- العربيزي… حين تُهمَّش العربية في الفضاء الرقمي
- تمرين على النور
- ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى
- يا قلمُ
- تفكيك البديهي
- ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست؟
- َدْفِنُ مَوْتَانَا وَنَنْهَض
- العبوة النازفة… رواية الإنسان حين يصبح جبهة قتال داخلية قراء ...
- لغةُ الإنسان
- عامٌ جديد… هَبْهُ لنا كما ينبغي
- اعتياد الموت: حين يفقد الوجدان حقّه في الارتجاف
- حين تضرب الإعاقة… وتُديننا جميعًا
- وداعًا عزيزنا عصام مخول
- عامٌ ينكسر… وآخر يُختبر: تأملات في وعي الشرق الأوسط


المزيد.....




- خمس سنوات من العمل المتواصل.. رجل يبني بلدة خشبية مصغّرة، كي ...
- شاهد ما فعله متظاهرون أمام فنادق في مينيابوليس اعتقدوا أن عم ...
- ولي عهد إيران السابق يوجه دعوة للقطاعات الرئيسية بالدولة وسط ...
- حقيقة حجم ومدى انتشار مظاهرات إيران التي -قد تفضي لتغيير جوه ...
- السعودية.. الداخلية تعلن تنفيذ -حد الحرابة- في يمني الجنسية ...
- كيف نختار الخبز المناسب لنا؟
- -تم تصويري سراً باستخدام نظارة ذكية، ثم تعرضت للتنمر الإلكتر ...
- الجيش السوري يعلن السيطرة على حي الشيخ مقصود في حلب والقوات ...
- مسلسل طهران : اختراق الموساد للمجتمع الإيراني لم يعد سرّا
- الجزائر - نيجيريا: تابعوا مباشرة مواجهة ربع نهائي كأس الأمم ...


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - «سادنُ الروح» حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي