أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي














المزيد.....

حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 04:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس العنف دائمًا حدثًا فجائيًا أو مشهدًا صادمًا في الشارع. في كثير من الأحيان، يبدأ العنف من مكان أقل وضوحًا: من اللغة، من الخطاب العام، ومن المساحات التي يُفترض أن تكون مخصّصة للنقاش العقلاني، لكنها تتحوّل تدريجيًا إلى ساحات لتصفية الحسابات الرمزية. في هذا المعنى، لا يمكن فصل ما يجري في الساحة السياسية العربية قبيل الانتخابات عمّا يحدث في المجتمع، بل هو انعكاس مباشر له.



الخلاف السياسي، بحد ذاته، ليس مشكلة. بل هو شرط أساسي لأي حياة سياسية سليمة. الإشكال يبدأ حين يُدار هذا الخلاف بمنطق التخوين والتحريض ونزع الشرعية، لا بمنطق النقاش والاختلاف المشروع. عندها، تتحوّل السياسة من منافسة بين رؤى وبرامج إلى ممارسة عنف غير مرئي، تُستخدم فيه الكلمة بدل الضربة، والاتهام بدل الحجة.



هذا النوع من الخطاب لا يبقى حبيس المنابر السياسية. فحين يسمع الناس، بصورة متكرّرة، لغة إقصائية من ممثليهم، يتعلّمون أن الخلاف لا يُحلّ بالحوار، بل بالقوة الرمزية أو المعنوية. السياسي الذي يختزل خصمه في تهمة أو صفة، لا يعبّر فقط عن موقفه، بل يقدّم نموذجًا سلوكيًا يُعاد إنتاجه في الشارع، في المدرسة، وفي العلاقات اليومية.



تتفاقم هذه الظاهرة قبيل الانتخابات، حين تطفو القضايا العامة إلى السطح لا بوصفها التزامًا دائمًا، بل كأدوات تعبئة موسمية. يغيب النقاش الجدي حول السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وحول هموم الناس اليومية، لصالح معارك شخصية وحزبية. في هذه اللحظة، يتحوّل المواطن من شريك في العملية السياسية إلى مجرّد هدف للخطاب، يُخاطَب لا ليُفهم، بل ليُستقطَب.



هنا يفرض السؤال نفسه:

هل خُلق التمثيل البرلماني ليكون وسيلة لخدمة الناس ونقل قلقهم ومطالبهم، أم تحوّل إلى مسرح لتدوير الوجوه نفسها داخل منظومة حزبية مغلقة؟



حين تنفصل السياسة عن بعدها الأخلاقي، تصبح البراغماتية ذريعة، ويتحوّل “فن الممكن” إلى إدارة دائمة للصراعات بدل السعي إلى حلّها. في مثل هذا السياق، لا يبدو العنف السياسي استثناءً أو انحرافًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من إفراغ الخطاب من مضمونه القيمي، وتحويله إلى أداة تقنية تخدم المصالح لا الإنسان.



الأخطر من العنف ذاته هو الاعتياد عليه. أن يصبح التخوين لغة مألوفة، والتحريض سلوكًا مقبولًا، والإقصاء جزءًا “طبيعيًا” من اللعبة السياسية. عندها، يفقد المجتمع قدرته على وضع حدود واضحة، ويتسرّب هذا المنطق من الفضاء السياسي إلى الحياة اليومية، بأشكال أكثر حدّة ووضوحًا.



السياسة، في جوهرها، ليست مجرّد صراع على مواقع ونفوذ. إنها ممارسة لها أثر تربوي وثقافي عميق. فهي ترسم حدود المقبول والمرفوض، وتؤثّر في الطريقة التي يفهم بها الناس الخلاف والاختلاف. ومن يستخفّ بقوة الكلمة، أو يتعامل مع الخطاب العام كأداة عابرة، يتجاهل حقيقة بسيطة: العنف غالبًا ما يبدأ حين تفشل اللغة في أن تكون مساحة للفهم.



قد تختلف أشكال العنف،

وقد تتغيّر وسائله،

لكن نتائجه تبقى واحدة: تآكل الثقة، ضعف المعنى، وتراجع الإيمان بإمكانية سياسةٍ تُصلح بدل أن تُعمّق الشروخ.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة رائعة لهذا النص في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم.. الشعري ...
- الشجاعة في اختيار الرحيل
- الغراب: محكمة الرموز… وإدانة المرآة
- حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: ...
- طقس النور: الشمعة بوصفها موقفًا وجوديًا
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ قراءة موسّعة في مشروع ا ...
- في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم
- فيروز… ما لا يُقال بعد الأغنية
- الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية
- «سادنُ الروح» حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي
- المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب ...
- بيان إنساني
- الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: حين يتحوّل العنف ...
- الوضوح ليس ضعفًا بل موقف أخلاقي
- من شقوق العسر يطلّ اليسر: تأمّل في الرجاء بوصفه وعيًا لا عزا ...
- الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي
- العربيزي… حين تُهمَّش العربية في الفضاء الرقمي
- تمرين على النور
- ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى
- يا قلمُ


المزيد.....




- لحظة انقطاع كابل لعبة -المقلاع- في الهواء بمدينة ملاهي في إس ...
- كيف سيكون الأثر المباشر على الإمارات بخروجها من أوبك؟ سهيل ا ...
- ماذا يعني انسحاب الإمارات من -أوبك- للولايات المتحدة؟
- الرئيس التونسي يقيل وزيرة الطاقة وسط مساعٍ حكومية لتمرير قوا ...
- الجنائية الدولية تقر تعويضات لآلاف الضحايا في -قضية الحسن- و ...
- تفجير نفق بكميات كبيرة من المتفجرات.. إسرائيل تتعهد بتدمير ك ...
- تحت غطاء المسيرات.. 20 آلية إسرائيلية تتوغل في درعا وتفتش مق ...
- كيف أذكت حرب إيران المزاعم الزائفة عن -سرقة الغيوم-؟
- -حبوب مسروقة؟- توتر أوكراني -إسرائيلي والاتحاد الأوروبي يدخل ...
- إندونيسيا: 14 قتيلا على الأقل إثر تصادم قطارين بالقرب من الع ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي