أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الشجاعة في اختيار الرحيل














المزيد.....

الشجاعة في اختيار الرحيل


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 22:20
المحور: الادب والفن
    


.
ليست الشجاعة، في معناها الأعمق، فعل مواجهةٍ صاخبة، ولا اندفاعًا بطوليًا نحو الخطر، بل قدرة نادرة على الإصغاء إلى اللحظة التي يهمس فيها الوعي: لم يعد هذا المكان لي. عند تلك اللحظة، لا يكون الرحيل هروبًا، بل استجابة أخلاقية لنداء داخلي طال كتمه. إن اختيار الرحيل عن علاقةٍ أو عملٍ لا يمنحك التقدير، ولا يفسح لك الهواء الكافي لتتنفّس، هو أحد أرقى أفعال السيادة على الذات.

ننشأ داخل سرديات تمجّد البقاء مهما كان الثمن. يُعاد تعريف الصبر كفضيلة مطلقة، وتُدان المغادرة بوصفها فشلًا أو خيانة. غير أن الفلسفة لم تحتفِ يومًا بالاحتمال الأعمى، بل بالقدرة على التمييز. فما قيمة الصبر إن كان يُراكم القهر؟ وما معنى الوفاء إن تحوّل إلى إنكارٍ للنفس؟ ثمّة لحظة ينقلب فيها الاستمرار من قيمةٍ أخلاقية إلى عنفٍ صامت يُمارَس ضد الروح.

العلاقات التي لا تُقدِّر حضورك لا تُنقصك فجأة؛ بل تفعل ذلك تدريجيًا. تبدأ بالتجاهل، ثم بالتطبيع مع غيابك، ثم بإقناعك—ببطء—أنك تبالغ حين تطلب الاعتراف. ومع الوقت، يتآكل صوتك الداخلي، وتتعوّد أن تكون أقلّ مما أنت. هنا، لا يعود الحب مساحة لقاء، بل امتحانًا دائمًا، تُطالَب فيه بإثبات قيمتك مرارًا. اختيار الرحيل من علاقة كهذه ليس تخليًا عن الآخر، بل استعادة للذات التي كادت تُمحى.

والعمل، بدوره، قد يمارس القمع بأسلوب أكثر تهذيبًا. يمنحك أمانًا شكليًا مقابل الامتثال، ويكافئ صمتك بوهم الاستقرار. حين يغيب التقدير، لا يختفي المعنى فقط، بل تتشظّى علاقتك بما تفعل. يتحوّل الجهد إلى استنزاف، والطموح إلى عبء، والوقت إلى دينٍ لا يُسدَّد. في هذه اللحظة، يصبح اختيار الرحيل فعلَ كرامةٍ لا مجازفة؛ إعلانًا هادئًا بأن الإنسان ليس موردًا يُستهلك، بل كيانًا يحتاج الاعتراف ليزدهر.

الرحيل ليس قرارًا سهلًا، لأنه يضع الإنسان وجهًا لوجه أمام الفراغ. الفراغ بعد المغادرة ليس خواءً فقط، بل مساحة بلا يقين. ولهذا يفضّل كثيرون الاختناق المألوف على حريةٍ مجهولة. لكن الحرية لا تُمنح في المناطق الآمنة؛ تُنتزع في لحظات القلق. والقلق هنا ليس ضعفًا، بل علامة وعي—إشارة إلى أن الذات تستعيد مركزها بعد طول اغتراب.

ثمّة فرق بين أن نرحل غضبًا، وأن نرحل نضجًا. الغضب يبحث عن خلاصٍ سريع، أمّا النضج فيختار الرحيل قرارًا مكتملًا، خاليًا من الانتقام، مشحونًا بالمعرفة. الرحيل الناضج لا يصرخ، ولا يُبرّر نفسه، ولا يطلب الفهم من الجميع. إنه فعل صامت، لأن من يعرف لماذا يغادر، لا يحتاج إلى تصفيق.

القوة الحقيقية ليست في الاحتمال اللامحدود، بل في معرفة الحدّ الذي لا يجوز تجاوزه. أن تكون قويًا يعني أن تحترم إنسانيتك بما يكفي لتنسحب حين يتحوّل المكان إلى قفص، والعلاقة إلى اختبارٍ دائم، والعمل إلى استنزافٍ أخلاقي. القوة هي أن تقول «كفى» دون مرارة، وأن تمضي دون ضجيج، وأن تختار نفسك لا لأنك أناني، بل لأنك مسؤول عن حياتك.

في النهاية، اختيار الرحيل هو أسمى أشكال الوفاء: الوفاء للذات، للكرامة، وللحياة بوصفها تجربة لا تُعاش إلا في فضاء يسمح لنا أن نكون كاملين. الرحيل، حين يكون وعيًا، لا يُنقصنا… بل يعيدنا إلى أنفسنا



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الغراب: محكمة الرموز… وإدانة المرآة
- حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: ...
- طقس النور: الشمعة بوصفها موقفًا وجوديًا
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ قراءة موسّعة في مشروع ا ...
- في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم
- فيروز… ما لا يُقال بعد الأغنية
- الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية
- «سادنُ الروح» حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي
- المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب ...
- بيان إنساني
- الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: حين يتحوّل العنف ...
- الوضوح ليس ضعفًا بل موقف أخلاقي
- من شقوق العسر يطلّ اليسر: تأمّل في الرجاء بوصفه وعيًا لا عزا ...
- الميلاد: نصّ أدبي للتقويم الشرقي
- العربيزي… حين تُهمَّش العربية في الفضاء الرقمي
- تمرين على النور
- ثنائية الفقر والغِنى في الأدب: حين يصبح الهامش معنى
- يا قلمُ
- تفكيك البديهي
- ماذا لو جاءت انتخابات الكنيست؟


المزيد.....




- مديرة مهرجان برلين السينمائي تسعى للاستمرار في منصبها رغم ال ...
- عودة القصيدة العمودية بالجزائر.. نكوص شعري أم تصحيح وضع؟
- إطلالات جريئة للنجمات في حفل جوائز الممثلين 2026
- من بينهم الراحلة كاثرين أوهارا.. أبرز الفائزين بجوائز الممثل ...
- 14 رمضان.. من الرايات السود في دمشق إلى خيول نابليون في الأز ...
- حكاية مسجد.. قصة الأمر النبوي في -جامع صنعاء الكبير- باليمن ...
- حرب إيران.. اتهامات لترمب بتجاوز القانون واعتراف البنتاغون ي ...
- فهد الكندري.. صوت من السماء يزين ليالي رمضان بالكويت
- كيف صورت السينما والدراما الإيرانية أمريكا وإسرائيل؟ 7 أعمال ...
- -ألوان من قلب غزة-.. أن ترسم كي لا تنكسر


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الشجاعة في اختيار الرحيل