أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضاري














المزيد.....

الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضاري


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 20:16
المحور: الادب والفن
    


لم تعد الثقافة، في عالم اليوم، مجالًا رمزيًا محايدًا أو ترفًا فكريًا يُستدعى عند الحاجة إلى الزينة الخطابية. لقد أصبحت إحدى أخطر ساحات الصراع المعاصر، وأكثرها تعقيدًا، لأنها لا تستهدف الأرض ولا الثروة، بل تستهدف الإنسان في وعيه، وذاكرته، ونظام قيمه، وقدرته على تعريف ذاته بنفسه.

نحن نعيش زمنًا تُدار فيه الحروب بلا ضجيج، وتُمارَس فيه الهيمنة بلا جيوش. زمن تُعاد فيه صياغة المجتمعات من الداخل، عبر الثقافة، والإعلام، والتقنية، ومنظومات الترفيه، حتى يغدو الاستلاب فعلًا طوعيًا، والذوبان خيارًا يبدو طبيعيًا، بل مرغوبًا.

من هنا، لا يعود السؤال مطروحًا حول أهمية الثقافة، بل حول طبيعة الدور الذي نُريد لها أن تؤدّيه:
هل تظل خطابًا دفاعيًا يكتفي بتوصيف الخطر؟
أم تتحوّل إلى قوة ناعمة فاعلة، تُنتج المعنى، وتبني المناعة، وتؤثّر في مسار الوعي الجمعي؟

مأزق الثقافة العربية: فائض الوعي وعجز الفعل

عرفت الثقافة العربية، على مدى عقود، وفرة لافتة في النقد، والتشخيص، والتحليل. كُتبت آلاف الصفحات عن الهوية، والخصوصية، والاستعمار الثقافي، والعولمة، والاستلاب. غير أنّ هذه الوفرة المعرفية لم تُترجَم، في معظم الأحيان، إلى تحوّل فعلي في بنية المجتمع أو في الذوق العام.

لقد ظلّ المثقف العربي، في كثير من تجاربه، أسير موقع المراقب أو المحتجّ أو الشاهد الأخلاقي، دون أن ينتقل إلى موقع الفاعل. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: ثقافة تُجيد وصف العطب، لكنها تتردّد في اقتراح البديل، أو في خوض معركة التأثير داخل الفضاء العمومي.

المشكلة ليست في غياب الخطاب، بل في انفصاله عن شروط الفعل. فالثقافة التي لا تُترجَم إلى سلوك، ولا إلى منتج، ولا إلى صورة جذّابة للذات، تتحوّل تدريجيًا إلى معرفة بلا أثر، وإلى وعي معطّل.

الاستعمار الجديد: حين تُحتلّ الروح

لم يعد الاستعمار المعاصر بحاجة إلى أدواته القديمة. يكفيه اليوم أن يُعيد تشكيل المخيال، وأن يُنتج نموذجًا كونيًا للحياة يُقدَّم بوصفه المعيار الوحيد للنجاح، والجمال، والتقدّم. ومن لا يمتلك سرديته الثقافية الخاصة، يجد نفسه، دون مقاومة تُذكر، داخل سردية الآخر.

الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، والصناعة السينمائية، ومنصّات الترفيه العالمية، ليست وسائل بريئة أو محايدة، بل منظومات ثقافية كاملة، تصنع الذوق، وتحدّد القيم، وتعيد ترتيب الأولويات. وفي غياب إنتاج ثقافي محلي قادر على المنافسة، يصبح الاستلاب نتيجة منطقية، لا مؤامرة.

الخطر الحقيقي لا يكمن في حضور الثقافة الغربية، بل في غيابنا نحن بوصفنا منتجين للمعنى، لا مجرّد مستهلكين له.

الثقافة: من التراث إلى القوة الإنتاجية

إنّ اختزال الثقافة في بعدها التراثي، على أهميته، لم يعد كافيًا لمواجهة تحدّيات العصر. فالثقافة ليست فقط ما نرثه، بل ما نُعيد إنتاجه، ونطوّره، ونُدخله في دورة الحياة المعاصرة.

الثقافة، بهذا المعنى، ليست ذاكرة فقط، بل طاقة إنتاج رمزي: في التعليم، والإعلام، والفنون، والصناعة الإبداعية، وحتى في الرياضة، بوصفها مجالًا لبناء الانتماء والتمثّل الجماعي. وحين تُدار الثقافة بهذه الرؤية، تتحوّل إلى عنصر قوة، لا إلى عبء على الحداثة.

المثقف ومسؤوليته في زمن الانكشاف

في عالم يشهد تفريغ الإنسان من معناه، وتآكل القيم، وتسليع كل شيء، لا يمكن للمثقف أن يختبئ خلف ادّعاء الحياد. فالثقافة، في جوهرها، موقف أخلاقي من الوجود، ومن الإنسان، ومن المستقبل.

المثقف اليوم مطالب بأن يسائل ذاته بصرامة:
هل يكتفي بتشخيص الأزمة؟
أم يشارك في بناء المناعة الفكرية والوجدانية للمجتمع؟
هل يخاطب النخبة فقط، أم يغامر باختراق الفضاء العام حيث تُصنع القناعات الحقيقية؟

إنّ الحياد، في زمن الحرب على المعنى، ليس موقفًا أخلاقيًا، بل انسحاب مقنّع.

دروس من تجارب الآخرين

تُظهر تجارب دول مثل الصين واليابان أنّ الهوية لا تتناقض مع الحداثة، بل يمكن أن تكون أحد محرّكاتها. لقد نجحت هذه المجتمعات في دمج عناصرها الثقافية والتاريخية داخل منتجاتها الصناعية والتكنولوجية، بحيث أصبحت الثقافة جزءًا من بنية المنتج، لا مجرّد زخرفة خارجية.

هذا النموذج يقدّم درسًا جوهريًا: الهوية لا تُحمى بالتحصّن، بل بالفعل، ولا تُصان بالخوف، بل بالثقة بالذات.

خاتمة: الثقافة كخيار مصيري

نعم، آن أوان تحويل الثقافة إلى قوة ناعمة، لا بوصفها شعارًا نخبويًا، بل باعتبارها ضرورة حضارية. ففي عالم يتّجه نحو تسليع الإنسان وتفريغه من معناه، تصبح الثقافة آخر ما يحمي جوهره، وآخر ما يمنحه القدرة على أن يكون ذاتًا، لا نسخة مستنسخة.

لم يعد السؤال: هل نؤمن بالثقافة؟
بل السؤال الأخطر: هل نملك الشجاعة لنحوّل هذا الإيمان إلى فعل؟



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...
- لدجل الرقمي: انكشاف العقل المأزوم في زمن فائض التكنولوجيا
- طقسُ النور حين يلمس الماء تأمّل وجداني في عيد الغطاس
- إشراقة الروح بين الأنقاض: قراءة في ديوان -من تراتيل العارفين ...
- حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي
- قراءة رائعة لهذا النص في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم.. الشعري ...
- الشجاعة في اختيار الرحيل
- الغراب: محكمة الرموز… وإدانة المرآة
- حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: ...
- طقس النور: الشمعة بوصفها موقفًا وجوديًا
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ قراءة موسّعة في مشروع ا ...
- في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم
- فيروز… ما لا يُقال بعد الأغنية
- الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية


المزيد.....




- -لهذا كان تشابلن عبقرياً-: قصة فيلم -أضواء المدينة- وأعظم لق ...
- مقتل ممرض مينيابوليس.. مشاهد تناقض -الرواية الرسمية-
- -ترامب سيرحّلك-: نائب ديمقراطي يتعرض لاعتداء باللكم خلال مهر ...
- السيف والقلم.. هل غيرت غزة وظيفة المثقف في العالم؟
- فيلم -هامنت-.. هل وُلد إبداع شكسبير من رحم الفقد والخسارة؟
- يوسف شاهين... أيقونة فنية عكست مخاض العالم عبر مرآة السينما ...
- مهرجان الأفلام بسولوتورن: إدنا بوليتي ضيفة شرف شغلتها قضاي ...
- علي جعفر العلاق للجزيرة نت: غادرت بغداد إلى صنعاء كآخر الناج ...
- نص سيريالى بعنوان(حِين يصير الغيَاب حبيبَة)الشاعرمحمدابوالحس ...
- التمثيل النقابي للمعلمين: الشرعية لا تُنتزع بالتجييش الرقمي ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضاري