أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا














المزيد.....

سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 11:58
المحور: المجتمع المدني
    


في سخنين، أمس الخميس، لم يخرج الناس إلى الشارع لأنهم يعتقدون أن مظاهرة واحدة قادرة على وقف الرصاص.

خرجوا لأن البقاء في البيوت صار أخطر من الخروج.

لأن الصمت، حين يطول، لا يعود حيادًا، بل يتحول إلى مساحة آمنة للجريمة، وإلى شريك غير معلن في استمرارها.



لم تكن المظاهرة حدثًا عابرًا في مدينة من مدن الجليل، بل لحظة مكثّفة من وعيٍ جماعيّ أدرك أن الخوف لم يعد شعورًا فرديًا، بل حالة عامة، وأن العنف لم يعد انحرافًا طارئًا، بل نظامًا يوميًا يُدار بالإهمال، ويُغذّى باللامبالاة، ويُترك لينظم تفاصيل الحياة.



سخنين أمس لم تمشِ وحدها.

مشَت معها قرى ومدن، بوجعها وأسئلتها، وبإضرابٍ عام علّق نبض الحياة اليومية ليقول: هكذا لا يمكن الاستمرار.

لم يكن الإضراب استعراضًا للقوة، بل اعترافًا بالعجز، والعجز حين يُقال بصوت عالٍ يتحول إلى فعلٍ أخلاقي.



في الشوارع، لم يكن الغضب صاخبًا بقدر ما كان ثقيلًا.

غضب يعرف أن القاتل ليس وحده المشكلة، وأن الجريمة لا تنمو في الفراغ.

تنمو حين يشعر من يحمل السلاح أن لا أحد يطارده، وأن العدالة بطيئة، انتقائية، أو غائبة.

تنمو حين يصبح الدم خبرًا، لا جريمة؛ رقمًا، لا حياة.



المتظاهرون لم يطلبوا المستحيل.

لم يطالبوا بالأمن المطلق، ولا بالمدينة الفاضلة.

طالبوا بالحد الأدنى: أن تكون حياتهم ذات قيمة، وأن لا يُترك القتل بلا ردع، وأن لا تتحول البيانات الرسمية إلى بديلٍ عن الفعل الحقيقي.



في سخنين أمس، كان السؤال أعمق من الشعارات:

كيف يمكن لمجتمع أن يعيش وهو يشعر أن حياته أقل أولوية؟

كيف يمكن لأم أن تنام وهي لا تعرف إن كان ابنها سيعود؟

وكيف يمكن لشباب أن يخططوا للمستقبل في واقعٍ لا يضمن الحاضر؟



هذه ليست أسئلة وجدانية فقط، بل سياسية بامتياز.

لأن العنف، حين يستشري، لا يكون أزمة أخلاقية فحسب، بل نتيجة مباشرة لسياسات فاشلة، ولتعامل أمني وقانوني يرى في المجتمع العربي ملفًا، لا بشرًا.



وما جرى في سخنين أمس هو رفض صريح لهذا المنطق.

رفض أن يكون الخوف قدرًا.

ورفض أن تتحول الحياة إلى انتظار دائم لخبر سيّئ جديد.



لكن، ورغم عمق اللحظة، يبقى السؤال الأصعب معلّقًا: ماذا بعد؟

فالمظاهرة، مهما كانت كبيرة، لا تكفي وحدها.

والإضراب، مهما كان صادقًا، لا يغيّر البنية التي تنتج العنف ما لم يُستكمل بمساءلة حقيقية، وبضغط سياسي متواصل، وبمشروع يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس الحق في الحياة، لا إدارة الموت.



الخطر الحقيقي ليس أن نفشل في وقف القتل فورًا،

بل أن نعتاد عليه.

أن نصبح مجتمعًا يحتجّ ثم يتعب، يغضب ثم ينسى، ويعود إلى يومياته وكأن الدم لم يكن.



سخنين، أمس، قالت بوضوح إنها لا تريد أن تعتاد.

قالت إن الوجدان ما زال حيًا، وإن الخوف لم ينتصر بعد، وإن الشارع—حين يخرج—لا يطلب الشفقة، بل العدالة.



قد لا توقف هذه المظاهرة رصاصة الغد،

لكنها فعلت ما لا يقل أهمية:

أعادت للإنسان صوته،

وللحياة معناها،

وللصمت حدَّه الأخير.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...
- لدجل الرقمي: انكشاف العقل المأزوم في زمن فائض التكنولوجيا
- طقسُ النور حين يلمس الماء تأمّل وجداني في عيد الغطاس
- إشراقة الروح بين الأنقاض: قراءة في ديوان -من تراتيل العارفين ...
- حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي
- قراءة رائعة لهذا النص في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم.. الشعري ...
- الشجاعة في اختيار الرحيل
- الغراب: محكمة الرموز… وإدانة المرآة
- حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: ...
- طقس النور: الشمعة بوصفها موقفًا وجوديًا
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ قراءة موسّعة في مشروع ا ...
- في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم
- فيروز… ما لا يُقال بعد الأغنية
- الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية
- «سادنُ الروح» حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي
- المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب ...
- بيان إنساني


المزيد.....




- إنقاذ درامي لسيدة حاولت الانتحار غرقًا بمركبتها.. وجوع سبّاح ...
- المقررة الأممية لحقوق الإنسان في فلسطين: هدم مقر الأونروا في ...
- دعوة أممية لواشنطن لوقف انتهاكاتها بحق المهاجرين وتشتيت عوائ ...
- بعد منعها من زيارة السجون.. الرابطة التونسية لحقوق الإنسان ت ...
- فرانشيسكا ألبانيز: هدم الاحتلال لمقر أونروا في القدس هجوم مم ...
- المدعي العام الإيراني ينفى مزاعم ترامب بتدخله لوقف إعدام 800 ...
- الداخلية السورية تعلن إتمام سيطرتها على سجن الأقطان الذي يضم ...
- شاهد.. الثلوج تحاصر مخيمات النازحين شمالي سوريا
- اعتداءات لمستوطنين بالقدس والأونروا تحصي 33 ألف نازح بالضفة ...
- المدعي العام الإيراني محمد موحدي: الرئيس الأميركي غير المنطق ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا