أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن














المزيد.....

عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 23:14
المحور: قضايا ثقافية
    


لا يقترب رمضان بوصفه موعدًا دينيًا معلنًا فحسب، بل كتبدّل خفيّ في نَفَس الزمن. شيء ما يتغيّر قبل أن يتغيّر الاسم في التقويم. كأن الأيام، وهي تتهيّأ لاستقبال هذا الشهر، تخفّف من اندفاعها، وتمنح الإنسان فرصة نادرة لإعادة النظر في علاقته بالوقت، بالجسد، وبالغاية.



من منظور مسيحي، لا يُستقبل رمضان كطقس للآخر، بل كخبرة روحية تُعاش بالمجاورة والإنصات. نحن لا نشارك الصوم، لكننا نشهد أثره في وجوه الصائمين، وفي تلك المسافة التي تُفتح بين الرغبة والاستجابة، حيث يتدرّب الإنسان على الصبر، ويختبر هشاشته، ويعيد اكتشاف حدوده.



رمضان، في جوهره، ليس شهر الامتناع، بل شهر إعادة ترتيب المعنى. الجوع يتحوّل إلى وعي، والعطش إلى إصغاء، والوقت يُنقّى من فائض الاستهلاك ليُردّ إلى بساطته الأولى. وهذه خبرة لا تبدو غريبة عن التقليد المسيحي، حيث يُفهَم الصوم بوصفه ممارسة تحرّر، لا قمعًا للجسد، بل مصالحة معه، وتحريرًا للإنسان من عبوديته لما يملك أو يشتهي.



ما يميّز رمضان هو خروجه من التجربة الفردية إلى المشهد الجماعي. المدينة بأكملها تدخل، بدرجات متفاوتة، في حالة صمت وانتظار. يتباطأ الإيقاع، ويكتسب الغروب معنى طقسيًا مشتركًا. في هذه اللحظة، لا يعود الطعام مجرّد حاجة بيولوجية، بل فعل مشاركة، ويغدو الخبز علامة على علاقة، لا على إشباع. هنا، تلتقي الأديان في بعدها الإنساني الأعمق، حيث تتحوّل العبادة إلى مسؤولية أخلاقية تجاه الآخر.



من هذا الموقع، يطرح رمضان على المسيحي سؤالًا يتجاوز المجاملة الثقافية: ما معنى الإيمان في الفضاء العام؟ هل هو شأن خاص يُمارَس في العزلة، أم حضور يُترجَم احترامًا وقدرة على العيش المشترك؟ حين يُعاد تنظيم الحياة اليومية احترامًا للصائمين، لا يكون ذلك فعل تساهل، بل تعبيرًا عن وعي أخلاقي يعترف بتعدّد أشكال القداسة دون أن يفرّغها من معناها.



غير أن السؤال الأعمق الذي يفرضه رمضان لا يتعلّق بمن يصوم، بل بما نصوم عنه. هل يكفي الامتناع عن الطعام، أم أن الصوم الحقيقي يبدأ حين نمتنع عن القسوة، عن اللغة العنيفة، عن الأحكام الجاهزة، وعن اللامبالاة المقنّعة باسم الواقعية؟ هنا، يتحوّل رمضان إلى مرآة جماعية، تكشف هشاشة الإنسان، لكنها تفتح في الوقت ذاته أفقًا لإعادة البناء.



من هنا، لا يقف المسيحي أمام رمضان موقف المراقب، بل موقف الواقف على العتبة. والعتبة ليست حيادًا، بل مساحة استعداد. استعداد لرؤية أن الله لا يُختزل في طقس واحد، ولا يُحتكَر في لغة واحدة، وأن الطريق إليه، مهما اختلفت مساراته، يمرّ دائمًا عبر الإنسان.



ومتى يحلّ رمضان؟



رمضان لا يحلّ حين يُعلَن فقط، بل حين يُرى. يبدأ برؤية الهلال، بتلك اللحظة الدقيقة التي يلتقي فيها النظر الأرضي بالضوء الوليد في السماء. ليس زمنًا ثابتًا في تقويم شمسي، بل وقتًا متحرّكًا، يذكّر الإنسان بأن المقدّس لا يُقاس بالأرقام، بل بالانتباه.



حلول رمضان، بهذا المعنى، ليس انتقالًا بين شهرين، بل عبورًا رمزيًا: من الاستهلاك إلى المعنى، من الضجيج إلى الصمت، من الامتلاك إلى الاكتفاء. زمن يُعيد طرح السؤال القديم: كيف نحيا دون أن نفقد إنسانيتنا؟



في اقتراب رمضان، تنفتح نافذة روحية على المجتمع كلّه. نافذة لا تدعو إلى التشابه، بل إلى الاعتراف المتبادل، وإلى اختبار إمكانية أن يكون الإنسان أكثر تواضعًا، وأكثر قربًا من الآخر. زمن نتعلّم فيه أن الصمت قد يكون صلاة، وأن الانتظار قد يكون معرفة، وأن الاقتراب من الله يبدأ، غالبًا، بالاقتراب من الإنسان.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...
- لدجل الرقمي: انكشاف العقل المأزوم في زمن فائض التكنولوجيا
- طقسُ النور حين يلمس الماء تأمّل وجداني في عيد الغطاس
- إشراقة الروح بين الأنقاض: قراءة في ديوان -من تراتيل العارفين ...
- حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي
- قراءة رائعة لهذا النص في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم.. الشعري ...
- الشجاعة في اختيار الرحيل
- الغراب: محكمة الرموز… وإدانة المرآة
- حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: ...
- طقس النور: الشمعة بوصفها موقفًا وجوديًا
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ قراءة موسّعة في مشروع ا ...
- في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم
- فيروز… ما لا يُقال بعد الأغنية
- الذاكرة بوصفها مسؤولية أخلاقية
- «سادنُ الروح» حين يتحوّل السؤال الفلسفي إلى امتحان أخلاقي
- المسيحيون العرب في بلاد الشام قبل 1948: الوجود الذي لم يطلب ...
- بيان إنساني
- الجريمة في المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل: حين يتحوّل العنف ...
- الوضوح ليس ضعفًا بل موقف أخلاقي


المزيد.....




- ترامب لـCNN: -الجميع سعداء للغاية- بإطار الاتفاق بشأن غرينلا ...
- السخرية من ماكرون وأهم 3 كلمات عن غرينلاند.. خطاب ترامب في د ...
- سوريا.. رد رسمي بعد دعوات التكبير بالمساجد عند تحرير مناطق ش ...
- ماذا نعرف عن -مجلس السلام- الذي سيعلنه ترامب رسميا اليوم في ...
- زيارة مرتقبة لرئيسة فنزويلا بالوكالة إلى واشنطن هي الأولى لم ...
- أرملة شاه إيران: -لا عودة إلى الوراء- والمواطنون سينتصرون في ...
- أمين عام الناتو: لم أناقش مع ترامب -السيادة على غرينلاند-
- منظمة دولية: السودان يسجل أطول فترة إغلاق للمدارس في العالم ...
- ترامب: لن نسمح لإيران أن تمتلك سلاحا نوويا
- تمويل الناتو وملكية غرينلاند وانتخابات 2020.. ما حقيقة أقوال ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن