رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:51
المحور:
المجتمع المدني
لم تكن الورشة برنامجًا،
ولا تدريبًا،
ولا مساحة لتبادل الآراء الجاهزة.
كانت لقاءً إنسانيًا خالصًا،
جلس فيه الزمن في دائرة واحدة،
وتكلم بهدوء نادر.
في القاعة، اجتمع من عاشوا النكبة،
ومن تشكّل وعيهم بعد عام 1967،
ومن وُلدوا في سبعينيات القرن الماضي وما بعدها.
أجيال مختلفة،
لكل منها رمضان مختلف،
لكن الشهر نفسه كان حاضرًا بيننا
كجسر لا كفاصل.
لم نبدأ بأسئلة كبيرة.
تركنا الكلام يأتي وحده.
وحين خفّ التوقّع،
خرجت الذاكرة كما هي:
غير مرتبة،
غير متنافسة،
صادقة.
من عاشوا النكبة لم يتحدثوا عن السياسة،
بل عن رمضان حين كان يدخل البيوت بلا خوف.
عن صيام لا يرافقه قلق،
وعن مائدة بسيطة
لكنها مطمئنة.
جيل ما بعد 1967 تحدث عن التكيّف.
عن شهرٍ يأتي تحت الاحتلال،
حيث القسوة حاضرة،
لكن الشعور بالجماعة لم يكن مكسورًا.
قال أحدهم:
“لم يكن سهلًا،
لكننا لم نكن وحدنا.”
أما الجيل الأصغر،
فكان صوته مختلفًا.
لا ذاكرة مكتملة،
ولا حنين واضح.
تحدث عن التعب،
عن ثقل الأخبار،
عن صيام يرافقه قلق دائم،
وعن شعور بأن الفقد صار جزءًا من الإيقاع اليومي.
في تلك اللحظة،
لم يكن أحد يملك الرواية الكاملة،
لكن الجميع امتلك شيئًا أثمن:
القدرة على الإصغاء.
ومن دون أن نسمّيها،
تشكّلت في الغرفة مهارات إنسانية عميقة:
الإنصات بلا مقاطعة،
احترام اختلاف التجربة،
والقدرة على حمل أكثر من ذاكرة
دون محاولة ترتيبها أو إخضاعها لرواية واحدة.
وبالنسبة لي، وأنا أدير هذه الورشة،
لم يكن اللقاء مهنيًا فقط،
بل شخصيًا بعمق.
كمن جاءت من تقليد روحي مختلف،
دخلت رمضان هذه المرة
لا كمراقِبة،
بل كشريكة في المعنى.
لم أشعر بالغربة،
بل بالمسؤولية.
مسؤولية الإصغاء لشهر يحمل قداسة خاصة لدى الآخرين،
وألمًا متراكمًا،
وذاكرة لا تشبه ذاكرتي،
لكنها تلامس إنسانيتي بعمق.
في تلك اللحظات،
لم يكن الاختلاف الديني حاجزًا،
بل جسرًا.
جسرًا كشف لي كيف يمكن للطقوس،
مهما اختلفت لغتها،
أن تلتقي عند السؤال نفسه:
كيف نحمي الإنسان فينا
وسط كل هذا الانكسار؟
خرج المشاركون دون توصيات مكتوبة،
لكن بشيء تغيّر في الداخل.
فهمٌ أوسع لمعنى الشهر،
وإدراك أن الصوم ليس فقط طقسًا دينيًا،
بل تجربة إنسانية تتشكّل حسب السياق،
وحسب القدرة على حمل الذاكرة دون أن تتحوّل إلى عبء.
رمضان لم يكن واحدًا في الذاكرة،
لكنه كان جامعًا في اللحظة.
لم يُلغِ الألم،
لكنه سمح له أن يُقال
دون أن يُثقل المكان.
ربما لا تغيّر مثل هذه الورش الواقع،
لكنها تغيّر طريقة الوقوف فيه.
تمنح الإنسان لغة أهدأ،
وقلبًا أقل وحدة،
وتذكيرًا بأن بعض ما نحتاجه
ليس مهارة تُدرَّس،
بل مساحة تُفتح.
في زمنٍ يتسارع فيه كل شيء،
كان هذا اللقاء تذكيرًا بسيطًا وعميقًا:
أن المعنى لا يُفرض،
بل يُصغى إليه،
وحين يُصغى إليه بصدق،
يتّسع للجميع.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟