أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى














المزيد.....

سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 22:37
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست سورة مريم نصًّا وعظيًّا بالمعنى الشائع، ولا سجلًّا تاريخيًّا لمعجزات متفرّقة، بل هي بناء فكري متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والقدرة، وبين الضعف والمعنى. إنها سورة تُقوّض التصوّر السائد للقوّة بوصفها شرط الاصطفاء، وتستبدله بفكرة أكثر جذرية: الضعف ليس نقيضًا للكرامة، بل أحد شروط انكشافها.

تفتتح السورة بأحرف مقطّعة (كهيعص)، في حركة يمكن قراءتها بوصفها إعلانًا مبكرًا عن حدود العقل التفسيري. فالنصّ، منذ لحظته الأولى، لا يقدّم نفسه باعتباره موضوعًا قابلًا للاحتواء الكامل، بل كخطاب يتطلّب تواضعًا معرفيًّا. هذه الأحرف لا تُفسَّر بقدر ما تُختَبَر؛ إنها تضع القارئ في موقع المتلقّي الذي لا يملك السيطرة، وهي وضعية ستتكرّر في جميع شخصيات السورة.

يأتي زكريّا نموذجًا أوّل لهذا المنطق. الشيخوخة هنا ليست خلفية زمنية، بل حالة وجودية. الوهن لا يُذكَر بوصفه عارضًا جسديًّا، بل بوصفه انهيارًا تدريجيًّا للبنية التي اعتاد الإنسان الاتّكاء عليها: العظم، الرأس، الامتداد. ومع ذلك، لا يُقابَل هذا الانهيار باليأس، بل بدعاء خافت. الدعاء في سورة مريم ليس لغة طلب، بل لغة علاقة؛ ليس استعجالًا للنتيجة، بل استدعاء لذاكرة الثقة. وهذا التحوّل من منطق الاستحقاق إلى منطق القرب هو أول ملامح البنية الفكرية للسورة.

ثم تنتقل السورة إلى مريم، حيث يبلغ خطاب الضعف ذروته المفهومية. فمريم لا تواجه امتحان الجسد فقط، بل امتحان النظرة الاجتماعية. الحدث ليس في الحمل ذاته، بل في ما يستتبعه من عزلة، وصدمة، وانكشاف. هنا، تتخلّى السورة تمامًا عن أي نزعة تزيينية للشخصية، وتُظهر مريم في لحظة تمنّي العدم: يا ليتني متّ قبل هذا. هذا التصريح ليس خللًا إيمانيًّا، بل اعترافًا إنسانيًّا يشرّعه النصّ بدل أن يُنكره. في هذا الموضع، يقدّم القرآن طرحًا فكريًّا جريئًا: الإيمان لا يلغي الانكسار، بل يمرّ عبره.

الأمر الإلهي بهزّ جذع النخلة يُشكّل لحظة مفصلية في منطق السورة. فالمطلوب من الإنسان ليس إنتاج المعجزة، بل المشاركة الرمزية فيها. الحركة هنا لا تُقاس بنتيجتها، بل بدلالتها: رفض السكون. إنّ الله، في هذا السياق، لا يكافئ القوّة، بل المبادرة في لحظة العجز. وهذا يعيد تعريف الفعل الإنساني لا بوصفه سيطرة على الواقع، بل بوصفه انخراطًا أخلاقيًّا فيه.

ويأتي صمت مريم لاحقًا كاختيار معرفي لا كعجز لغوي. فحين يبلغ الاتهام ذروته، يُعلَّق الكلام، وتُحال الحقيقة إلى مصدرها. الصمت هنا ليس فراغًا، بل استراتيجية وجودية؛ إنه إعلان ثقة بأن المعنى لا يحتاج دائمًا إلى دفاع. وحين يتكلم الطفل، لا يبدأ بالمعجزة، بل بالهوية: إني عبد الله. وكأن السورة تؤكّد أن كل خطاب ديني لا يبدأ بالعبودية يتحوّل إلى استعراض.

تتوسّع السورة لاحقًا لتشمل نماذج نبوية أخرى، لكنها تحافظ على الخيط نفسه: لا انتصارات صاخبة، بل علاقات معقّدة. خطاب إبراهيم لأبيه يقدّم نموذجًا فكريًّا نادرًا في أدب الاختلاف؛ حيث لا تُلغى القطيعة العقدية، لكن يُحافَظ على الأدب الإنساني. وهذا يؤسّس لفكرة مركزية في السورة: الحقيقة لا تُبرَّر بالقسوة، ولا تحتاج إلى عنف لغوي كي تثبت.

في ختامها، تنزع السورة كل الأغطية: الأفراد آتون فرادى، بلا أنساب، بلا أوهام شفاعة. غير أنّ هذا التجريد لا ينتهي بالتهديد، بل بالتيسير. فالنصّ، في النهاية، كُتب ليُفهَم، لا ليُرهِب. وهذه المفارقة الختامية تُلخّص البنية الفكرية للسورة كلّها: العدل لا ينفصل عن الرحمة، والحساب لا يُلغِي القرب.

يمكن القول إن سورة مريم تقدّم خطابًا قرآنيًّا متقدّمًا حول الإنسان: إنسانٌ لا يُدان على ضعفه، بل على إنكاره له؛ إنسانٌ لا يُقاس بمظهر قوّته، بل بقدرته على البقاء أخلاقيًّا في لحظات الانكشاف. إنها سورة تُعيد الاعتبار للهشاشة بوصفها مساحةً لإنتاج المعنى، لا علامة نقص فيه.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...
- لدجل الرقمي: انكشاف العقل المأزوم في زمن فائض التكنولوجيا
- طقسُ النور حين يلمس الماء تأمّل وجداني في عيد الغطاس
- إشراقة الروح بين الأنقاض: قراءة في ديوان -من تراتيل العارفين ...
- حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي
- قراءة رائعة لهذا النص في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم.. الشعري ...
- الشجاعة في اختيار الرحيل
- الغراب: محكمة الرموز… وإدانة المرآة


المزيد.....




- -ممل للغاية-.. شاهد ما قاله ترامب عن اجتماع مجلس الوزراء الأ ...
- وزارة الداخلية السورية: خادمة هدى شعراوي -أقرت- بقتلها
- أخبار اليوم: حزب البديل الألماني يطالب بوقف الهجرة والتجنيس ...
- فايننشال تايمز: لماذا التقى مسؤولون في إدارة ترمب انفصاليين ...
- 3 شهداء في قطاع غزة والصليب الأحمر يتسلم جثمان 15 فلسطينيا
- الفقد مرتين.. هكذا نكأ الاحتلال جراح أهالي دفناء مقبرة البطش ...
- بنك السودان المركزي يحذر من تطبيق مصرفي غير مرخص
- هجوم روسي يوقع قتلى بزاباروجيا وكييف تتحسّب لتصعيد جديد
- الفرصة التاريخية: بربرية أم اشتراكية
- تحركات عسكرية.. وصول مدمرة أميركية جديدة وإيران تجري مناورات ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى