أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن بديل














المزيد.....

محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن بديل


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 20:22
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


لا يكتب محمد بكرية في «أرملة من الجليل» روايةً عن الماضي، بل يُعيد تشييد الماضي داخل الحاضر، بوصفه بنية حيّة لا تكفّ عن الفعل. نحن أمام نصّ لا يستدعي الذاكرة كأرشيفٍ سرديّ، بل يقيمها كشرط وجود: من دونها لا ذات، ولا معنى، ولا نجاة. هكذا تتحوّل الرواية من مجرّد سردٍ سيريّ إلى مشروع مقاومة ضدّ المحو.
منذ العتبات الأولى، يفرض النص معادلته الجوهرية: الأم = الذاكرة = الوطن. هذه ليست استعارة بلاغية عابرة، بل نواة بنيويّة تنظّم حركة السرد، وتحدّد علاقته بالزمن، وبالشخصيات، وبالحدث التاريخي.
الطفل السارد: وعيٌ مكسور يرى أكثر مما يفهم
اختيار الطفل ساردًا مركزيًا ليس خيارًا عاطفيًا ولا حيلة تعاطفيّة، بل قرار جمالي واعٍ. فالطفولة هنا ليست مساحة براءة، بل ساحة هشاشة. الطفل لا يمتلك أدوات الفهم، لذلك يرى العالم في صورته الخام: الرصاص صوت، الدبابة كتلة، الموت فراغ، والخوف حالة دائمة لا تفسير لها.
بهذا المعنى، لا يصف السارد الحدث، بل يعيشه جسديًا. السياسة لا تأتي خطابًا، بل أثرًا نفسيًا؛ ويوم الأرض لا يُروى كتاريخ، بل كصدمة تأسيسيّة كسرت الإحساس بالأمان إلى الأبد. وهذه إحدى أهم فضائل النص: أنه يكتب القمع من داخله النفسي، لا من سطحه الأيديولوجي.
غير أنّ هذا الخيار السردي، على قوّته، يُنتج أحيانًا إطالة شعورية غير ضرورية. بعض المقاطع تستغرق في توصيف الخوف ذاته، بدل تطوير المشهد دراميًا، ما يُضعف التوتّر السردي في لحظات كان يمكن تكثيفها دون المساس بالأثر.
الأم: من شخصية روائية إلى بنية نجاة
الأم في «أرملة من الجليل» ليست شخصية مكتملة بالمعنى التقليدي، بل وظيفة وجوديّة. هي الحاجز الأخير بين الأطفال والفوضى، بين البيت والعالم، بين الحياة والموت. لا تخطب، ولا تنظّر، لكنها تعرف متى تُغلق الأبواب، ومتى تضمّ الأطفال، ومتى تُخفي الخوف بدل مواجهته.
قوّة هذه الشخصية تكمن في لا خطابيتها؛ فهي تمارس المقاومة بصيغة الحياة اليومية. ومع ذلك، يقع النص أحيانًا في منزلق التقديس الصامت، حيث تُقدَّم الأم بوصفها كائنًا صلبًا بلا تصدّع. كان لتعميق هشاشتها، والسماح بانكساراتها الداخلية، أن يمنح الشخصية أفقًا إنسانيًا أوسع، دون أن ينتقص من مكانتها الرمزية.
المكان: من جغرافيا مصادَرة إلى ذاكرة مكتوبة
يُتقن بكرية تحويل التفاصيل اليومية—المطبخ، الحاكورة، الزقاق، الباب الحديدي—إلى فضاءات اشتباك سردي. المكان هنا ليس خلفية، بل شاهد. وحين تُصادَر الأرض في الواقع، تُستعاد في النص بوصفها ذاكرة مضادّة.
غير أنّ هذا الاشتغال المكاني، على غناه، يقترب أحيانًا من التوثيق الزائد، حيث تتراكم التفاصيل على حساب الإيقاع الروائي. هنا يظهر التردّد بين السيرة بوصفها شهادة، والرواية بوصفها بناءً فنيًا، وهو تردّد لم يُحسم دائمًا لصالح التكثيف الجمالي.
السياسة: الحضور بلا خطاب
تحسب للرواية قدرتها على تفادي الخطاب السياسي المباشر. يوم الأرض لا يُقدَّم عبر الشعارات، بل عبر أثره العميق في الوعي الطفولي. القمع يُرى، لا يُشرح. وهذه من أنجح اختيارات النص.
إلّا أنّ بعض المقاطع تميل إلى الشرح السياقي التفسيري، وكأن الكاتب يخشى سوء الفهم. هذا القلق مفهوم، لكنه فنيًا كان يمكن تجاوزه بثقة أكبر بالقارئ وبقدرة الصورة السردية على حمل معناها.
اللغة: بين الحسّية والتحميل الزائد
لغة بكرية مشحونة، حسّية، قادرة على خلق صورة موجعة ومقنعة. لكنها أحيانًا تُثقِل نفسها بتراكم انفعالي، حيث تتجاور الجمل المتشابهة شعوريًا دون ضرورة بنيوية. في لحظاتها الأقوى، تكون اللغة أكثر اقتصادًا، وتترك للصورة أن تعمل وحدها.
خلاصة
«أرملة من الجليل» رواية صادقة ومؤلمة ومهمّة. قوّتها الكبرى أنها لا تكتب البطولة، بل النجاة الهشّة، ولا تؤرّخ الحدث، بل تفضح أثره النفسي العميق. هي نصّ ينجح في تحويل الخاص إلى جمعي، والذاكرة الفردية إلى شهادة وجود.
أما نقاط ضعفها، فتنشأ من فائض القرب العاطفي: الإطالة، التفسير، والميل أحيانًا إلى تثبيت الرموز بدل تعقيدها.
ومع ذلك، تبقى الرواية عملًا أدبيًا يُحسب لمحمد بكرية، لأنه يجرؤ على قول ما هو أصعب من الصراخ:
أن الخوف لا يزول… لكن حين يُكتب، يفقد جزءًا من سلطته.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...
- لدجل الرقمي: انكشاف العقل المأزوم في زمن فائض التكنولوجيا
- طقسُ النور حين يلمس الماء تأمّل وجداني في عيد الغطاس
- إشراقة الروح بين الأنقاض: قراءة في ديوان -من تراتيل العارفين ...
- حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي
- قراءة رائعة لهذا النص في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم.. الشعري ...
- الشجاعة في اختيار الرحيل
- الغراب: محكمة الرموز… وإدانة المرآة
- حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: ...


المزيد.....




- عاد اهتمام أمريكا بالنفط العالمي.. فهل يعيد التاريخ نفسه؟
- هذا ما يأمل هارفي ماسون جونيور تحقيقه في حفل جوائز غرامي الم ...
- فيديو يظهر ميلانيا ترامب تقرع جرس افتتاح بورصة نيويورك
- بيان للخارجية المصرية بعد احتجاز 4 مصريين على متن سفينة فى إ ...
- وزير الخارجية الأمريكي: النظام الإيراني قد يكون أضعف من أي و ...
- نوري المالكي وترامب: هل يصل رئيس الوزراء السابق إلى الحكومة ...
- منع المكياج في أوقات العمل بقرار رسمي من محافظة اللاذقية
- إلهان عمر تعلق على تعرضها لهجوم بسائل مجهول في مينيابوليس -ل ...
- تفشي فيروس نيباه في الهند: مخاوف في آسيا وتشديد في المطارات ...
- السلطات الألمانية تداهم مكاتب -دويتشه بنك- على خلفية شبهات ت ...


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن بديل