رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 16:50
المحور:
كتابات ساخرة
لم يعد الخلاف العربي حالة عارضة تُفسَّر بالظروف أو تُبرَّر بحساسية المرحلة، بل تحوّل إلى خيار سياسي مُدار، له منطقه، وأدواته، وحدوده المرسومة بدقة.
فالاجتماعات العربية لا تفشل في إنتاج الاتفاق بقدر ما تنجح في إعادة إنتاج الخلاف، بصيغ أكثر تهذيبًا وأقل كلفة.
القول الشائع إن العرب “اتفقوا أن لا يتفقوا” لم يعد مجرّد توصيف ساخر، بل بات تشخيصًا واقعيًا لسلوكٍ سياسيٍّ متكرر، جرى تطبيعه حتى أصبح مألوفًا، بل ومقبولًا.
غير أن الأخطر من غياب الاتفاق، هو تحويل العجز إلى خطاب، والفشل إلى بلاغة.
في كل قمة عربية، تتكرّر الطقوس ذاتها:
لغة عالية النبرة، إجماع لفظي على خطورة المرحلة، ثم اختلاف صريح — أو مؤجَّل — على كل ما يتطلّب قرارًا فعليًا.
البيانات الختامية تُكتب بعناية لغوية فائقة، بحيث لا تُغضب أحدًا ولا تُلزم أحدًا. نصوص مرنة، قابلة للتأويل، تصلح لكل الأزمنة، لأنها لا تخص زمنًا بعينه.
وحين يُطرح السؤال البديهي: لماذا لا يتقدّم العمل العربي المشترك؟
تأتي الإجابات جاهزة، محفوظة، لا تحتاج إلى اجتهاد:
الظروف معقّدة، التدخلات الخارجية حاضرة، المرحلة دقيقة.
وهي عناوين صحيحة في ظاهرها، لكنها استُهلكت حتى فقدت قدرتها على الإقناع، وباتت أقرب إلى ذرائع جاهزة منها إلى تفسيرات سياسية جادّة.
المفارقة اللافتة أن العرب، حين يختلفون، يختلفون بسرعة وكفاءة.
وحين يتنافسون، يُجيدون إدارة التنافس.
أما حين يتعلّق الأمر بموقف موحّد، أو رؤية مشتركة، أو حدٍّ أدنى من التفاهم في القضايا المصيرية، يصبح التريّث سياسة، والتأجيل حكمة، والغموض فضيلة.
في هذا السياق، لا يبدو الاتفاق مستحيلًا، بل غير مرغوب فيه.
فالاختلاف أقل كلفة سياسيًا، ولا يفرض التزامات واضحة، ولا يستدعي تحمّل نتائج مشتركة.
أما الاتفاق، فيتطلّب قرارًا، والقرار يتطلّب مسؤولية، والمسؤولية — في مشهد عربي مثقل بالتوازنات — عبء غير مرحّب به.
وهكذا، تتغيّر أماكن القمم، تتبدّل الوجوه، تُلتقط الصور الجماعية، لكن النتيجة تبقى واحدة.
مشهد يُعاد تدويره بعناوين مختلفة، وعجز ثابت.
ليس لأن العرب غير قادرين على الاتفاق،
بل لأنهم لم يحسموا بعد قناعتهم بأن الاتفاق ضرورة سياسية، لا ترفًا لغويًا يُستدعى عند الحاجة الإعلامية.
وإلى أن يحدث ذلك،
سيبقى سؤال: لماذا لا يتفق العرب؟
ليس سؤالًا إنشائيًا،
بل عنوانًا مفتوحًا لواقعٍ عربيٍّ يُدار ببلاغة… ويُجمَّد بالفعل.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟