أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى














المزيد.....

بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 15:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تبدأ الشرارة في سخنين، لكنها هناك انكشفت بلا مواربة.
في مدينةٍ تحمل ثقل الأرض والذاكرة، خرج الصوت لا بوصفه ردّ فعلٍ على حدثٍ بعينه، بل كتعبيرٍ عن تراكم طويل من التهميش البنيوي، والعنف المُقنَّع، وسياساتٍ حاولت على مدار سنوات إدارة الوجود الفلسطيني في الداخل لا الاعتراف به.

ما جرى في سخنين لم يكن استثناءً، بل لحظة كاشفة لانهيار سردية كاملة. سردية روّجت لفكرة “الاستقرار” بينما كانت تُفرغ المواطنة من مضمونها، وتُعيد تعريف الحقوق باعتبارها امتيازات قابلة للسحب. هناك، سقط وهم التعايش حين يُستخدم كغطاء لاختلالٍ عميق في القوة، وحين يُطلب من الفلسطيني أن يكون دائمًا الطرف الأكثر عقلانية داخل معادلة غير عادلة.

الهبة الشعبية المستمرة اليوم، والمتجهة نحو تل أبيب، لا يمكن قراءتها كمظاهرة عابرة أو موجة غضب آنية. إنها انتقال واضح من موقع الاحتمال إلى موقع المساءلة، ومن الصبر القسري إلى الاحتجاج الواعي. “مسيرة الرايات السوداء” ليست تعبيرًا عن اليأس، بل فعل احتجاج أخلاقي، يعلن نفاد شرعية منظومةٍ فشلت في توفير الحد الأدنى من العدالة لمواطنيها الفلسطينيين.

الراية السوداء هنا ليست رمز حداد، بل موقف سياسي وأخلاقي.
هي لغة بصرية تختصر ما عجزت الكلمات عن قوله: واقع لم يعد يحتمل التجميل، وعقد اجتماعي جرى تقويضه تدريجيًا عبر سياسات الإقصاء والتمييز، والتعامل مع الفلسطيني كملف أمني أو رقم إداري، لا كإنسان كامل الحقوق.

ما تطالب به هذه الهبة ليس انقلابًا ولا فوضى، بل كشفًا لطبيعة النظام القائم.
مطالبها في جوهرها بسيطة، لكنها جذرية في دلالتها: عدالة غير انتقائية، مواطنة غير مشروطة، وحق في الحياة الكريمة لا يُربط بالولاء السياسي ولا يُدار بمنطق الترهيب والاحتواء. هي مطالبة بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها الفلسطينيين، خارج خطاب المنّة وخارج سياسة “الاستثناء الدائم”.

اختيار تل أبيب كوجهة للمسيرة ليس تفصيلًا عابرًا.
إنه فعل سياسي محسوب، يهدف إلى كسر العزل الرمزي والجغرافي المفروض على الفلسطيني في الداخل. الوصول إلى مركز القرار، إلى قلب الرواية الرسمية، هو نقل الهامش إلى المتن، وإجبار المركز على مواجهة ما سعى طويلًا إلى تجاهله. الرسالة واضحة: هذه ليست قضية أطراف، بل أزمة بنيوية في صميم النظام السياسي.

الهبة الشعبية تكشف أيضًا أزمة عميقة في الخطاب السياسي السائد. لم تعد لغة الوعود، ولا لجان الفحص، ولا خطابات “التهدئة” قادرة على احتواء شارع بات أكثر وعيًا بآليات السيطرة الناعمة. شارع يدرك كيف تُدار الأزمات لتدوير الغضب بدل معالجة جذوره، وكيف يُطلب من الضحية باستمرار أن تكون أكثر عقلانية من النظام الذي يمارس العنف باسم القانون.

“بكفّي” ليست شعارًا انفعاليًا، بل موقفًا معرفيًا وأخلاقيًا.
هي رفض لتحميل المجتمع ثمن صمته، ورفض لمعادلة تُطالب المقموع بتبرير ألمه. هي لحظة يقول فيها الناس إن كلفة الصمت أصبحت أعلى من كلفة الاحتجاج، وإن الخوف لم يعد أداة ضبط حين ينكشف الظلم بهذا الوضوح.

هذه الهبة ليست حدثًا عابرًا، بل مسار مفتوح.
مسار يعيد تعريف السياسة بوصفها فعلًا جماعيًا في الفضاء العام، لا تفاوضًا خلف الأبواب المغلقة. يعيد الاعتبار للشارع كمساحة إنتاج وعي، وللصوت العالي كحقّ لا كخطر، وللاحتجاج السلمي كأداة مساءلة لا كتهديد.

الهبة الشعبية مستمرة، لأنها لم تعد مرتبطة بشرارة أولى، بل بوعي جديد.
وعي يدرك أن ما قُدِّم طويلًا كقدرٍ محتوم، ليس سوى خيار سياسي قابل للمساءلة والمواجهة.
ووعي كهذا، حين يتشكّل، لا يتراجع



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...
- لدجل الرقمي: انكشاف العقل المأزوم في زمن فائض التكنولوجيا
- طقسُ النور حين يلمس الماء تأمّل وجداني في عيد الغطاس
- إشراقة الروح بين الأنقاض: قراءة في ديوان -من تراتيل العارفين ...
- حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي
- قراءة رائعة لهذا النص في تبرئة الرصاصة… وإدانة الدم.. الشعري ...
- الشجاعة في اختيار الرحيل
- الغراب: محكمة الرموز… وإدانة المرآة
- حين تصغي الدولة للروح جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس: ...
- طقس النور: الشمعة بوصفها موقفًا وجوديًا
- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ قراءة موسّعة في مشروع ا ...


المزيد.....




- من لحظة رعب إلى ابتسامة.. إنقاذ بطولي لطفل علق في -نفق ثلجي- ...
- رأي.. عبدالله بن أحمد آل خليفة يكتب: رسالة سامية في يوم التع ...
- صورة مثيرة للجدل لهاتف نتنياهو.. لماذا يغطي رئيس الوزراء الك ...
- عضو بالبرلمان الأوروبي: التدخل العسكري هو الخيار النهائي لتغ ...
- هل تجري الصين تطهيراً ضد أرفع جنرالاتها؟ ولماذا؟
- إجلاء مئات السكان في نيشيمي بصقلية بعد انهيار أرضي
- الشتاء الأقسى منذ عقد.. هجمات مكثفة تغرق خاركيف في الظلام
- سلطنة عمان: وفاة ثلاثة سياح فرنسيين على الأقل في انقلاب قارب ...
- جنرال ألماني: بلادنا تستعد لصد هجوم روسي محتمل في غضون عامين ...
- أكثر من 20 ألف مريض بغزة ينتظرون السفر للعلاج بالخارج


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى