أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة فلسفية–لاهوتية في بنية النص وأخلاقه ومسالكه الوجودية














المزيد.....

إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة فلسفية–لاهوتية في بنية النص وأخلاقه ومسالكه الوجودية


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 12:02
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


تمهيد: النصّ بوصفه حدثًا

لا يقدّم إنجيل متّى نفسه كنصٍّ دينيٍّ تقريري، بل كـ حدثٍ تأويلي يعيد ترتيب العلاقة بين الله والإنسان والتاريخ. إنّه نصّ لا يكتفي بتقنين السلوك، بل يزعزع الأسئلة التي ينتج عنها السلوك أصلًا. فالإيمان هنا ليس منظومة أوامر، بل تحوّلًا في بنية الرغبة: انتقالًا من الامتثال القسري إلى الحرية الأخلاقية، ومن أمان الهوية المغلقة إلى مجازفة اللقاء مع الآخر.

في هذا المعنى، يشتغل إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا: يعيد تعريف الإنسان، لا من حيث ما يفعله فقط، بل من حيث ما يشتهي، وما يخاف، وما يختار أن يكونه في عمق وجوده.

أولًا: النسب كتأويل للتاريخ لا كأرشيف للذاكرة

يفتتح متّى إنجيله بسلسلة نسب لا بوصفها تسجيلًا بيولوجيًا، بل كـ فلسفة للتاريخ. فالتاريخ هنا ليس خلفية محايدة، ولا عبئًا يجب تجاوزه، بل المجال الذي يتجلّى فيه المعنى. غير أنّ هذا التاريخ ليس نقيًا ولا مثاليًا؛ إنه تاريخ متصدّع، تتخلّله الانقطاعات والالتباسات.
الرسالة واضحة: الخلاص لا يتحقق خارج الكسر، بل عبره. الله في متّى لا يعمل في زمن مثالي، بل في واقع معطوب، دون أن يلغيه أو يبرّره. وهكذا تُعاد صياغة الألوهة نفسها: إله لا يتعالى بالابتعاد، بل بالحضور؛ لا يفرض المعنى من فوق، بل يُنقذه من الداخل.

ثانيًا: “الإكمال” كتحوّل نوعي في منطق الشريعة

حين يعلن يسوع أنّه جاء “ليُكمّل” لا “لينقض”، لا يقترح إضافة تشريعية، بل نقلة في منطق الأخلاق. فالشريعة، في هذا الإنجيل، لا تُلغى، بل تُعرّى من قابلية التحوّل إلى أداة سيطرة.
الاكتمال هنا يعني الانتقال من تقييم الفعل إلى مساءلة المنبع، ومن ضبط السلوك إلى تحرير القلب. الأخلاق لا تُقاس بكمّ الطاعة، بل باتجاه الرغبة.
بهذا المعنى، يقدّم متّى أخلاقًا غير بوليسية: أخلاقًا لا تقوم على الخوف من العقوبة، بل على تحوّل داخلي يجعل الخير ممكنًا دون إكراه.

ثالثًا: العظة على الجبل كبيان وجودي

لا يمكن قراءة العظة على الجبل كخطبة وعظية؛ إنها إعادة تأسيس لأنطولوجيا الإنسان. “طوبى” ليست وعدًا مؤجّلًا، بل توصيفًا لحالة وجودية تقلب موازين القيمة.
الفقر بالروح هو نقد جذري لميتافيزيقا الامتلاك؛
الوداعة هي قوة محرّرة من العنف؛
والطهارة انتقال من طقسٍ ظاهري إلى صدق المقصد.

إنها أخلاق لا تُمجّد الضعف، بل تكشف زيف القوة التي لا تعرف إلا الإكراه. وفي هذا الإطار، تُقترَح سياسة أخلاقية ضمنية: العنف ليس قدرًا، بل فشلًا في الخيال الأخلاقي.

رابعًا: من الفعل إلى الجذر – أخلاق الداخل

يُجري إنجيل متّى نقلة حاسمة حين ينقل النقاش من الجريمة إلى أصلها، ومن الخطأ إلى ديناميته الداخلية. الغضب، الشهوة، الرياء… ليست انحرافات سطحية، بل أعراض لخلل أعمق في بنية الرغبة.
الأخلاق هنا ليست نظام ضبط، بل عملية شفاء.
وحين تُطرَح محبة العدو، لا تُطرح كشعار مثالي، بل كتحرير للذات من اقتصاد الكراهية الذي يعيد إنتاج العنف باسم العدالة.

خامسًا: الملكوت كصيغة حياة

الملكوت في متّى ليس جغرافيا سماوية، بل نمط وجود. إنه يبدأ حيث تتغيّر علاقة الإنسان بالقوة والمال والآخر. أمثال الملكوت لا تشرح، بل تدرّب على الإدراك: الحقيقة لا تأتي بضجيج السلطة، بل بصمت التحوّل.
المعنى لا يقتحم العالم من الخارج، بل يعيد تشكيله من الداخل، كما تفعل الخميرة في العجين.

سادسًا: يسوع ونقد السلطة

يسوع في متّى ليس واعظًا منزوع الصراع، بل تفكيكًا حيًّا للسلطة حين تتقدّس. الصدام ليس بين إيمان ولا إيمان، بل بين إيمان يفتح المجال للإنسان، وتديّن يحوّل القداسة إلى امتياز.
“الويلات” ليست نوبات غضب، بل تشخيصًا لمرض: حين يصبح الدين أداة فرز بدل أن يكون فضاء لقاء، وحين تُستبدل الرحمة بإدارة الذنب.

سابعًا: الصليب والقيامة – منطق الحقيقة المقلوبة

الصليب في متّى ليس فشلًا ينتهي بالقيامة كتعويض، بل كشفًا للعنف حين يتستّر بالحق. إنه فضح لقدرة النظام على قتل البريء وهو مقتنع ببرّه.
أما القيامة، فليست إنكارًا للألم، بل إعلان أن الألم ليس الكلمة الأخيرة. إنها تأسيس لأمل غير ساذج: أمل يعرف حجم الكسر، ويصرّ رغم ذلك على المعنى.

ثامنًا: الوجداني بوصفه شرط الإيمان

الإيمان في متّى ليس بطولة أخلاقية، بل مسار هشّ: خوف، شك، تعثّر. وهذه الهشاشة هي ما يمنح النص صدقيته الإنسانية.
الله لا ينتظر كمالًا مصطنعًا، بل صدق السير. وهنا يتحرر التدين من عبودية الأداء، ويستعيد معناه كخبرة حيّة لا كصورة مصقولة.

خاتمة: نحو إعادة تعريف الله والإنسان

إنجيل متّى، في قراءته الفلسفية واللاهوتية، ليس نصًّا يُستهلك، بل دعوة لإعادة تعريف:
الله ليس حارس حدود، بل صانع علاقة؛
والإنسان لا يُقاس بما يُظهره، بل بما يختاره حين لا يُراقَب.

إنه إنجيل يقترح المحبة لا كعاطفة، بل كمنهج حقيقة، ويضع القارئ أمام مسؤولية أخلاقية لا تُفوَّض:
أن تتحوّل الحياة نفسها إلى ترجمة للنص،
لا أن يتحوّل النص إلى ذريعة لإلغاء الحياة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...
- لدجل الرقمي: انكشاف العقل المأزوم في زمن فائض التكنولوجيا
- طقسُ النور حين يلمس الماء تأمّل وجداني في عيد الغطاس
- إشراقة الروح بين الأنقاض: قراءة في ديوان -من تراتيل العارفين ...
- حين يتحوّل الخطاب السياسي إلى عنفٍ رمزي


المزيد.....




- بشوكة شواء وقطاعة بيتزا.. رجل يتقمص دور عميل FBI لإنقاذ متهم ...
- جماعة انفصالية تطلب مساعدة ترامب للاستقلال عن كندا.. إليكم م ...
- على الخريطة.. مدى أسلحة إيران والدول القابعة في مرماها بالكي ...
- عاجل: قوات سوريا الديمقراطية تعلن التوصل إلى -اتفاق شامل- مع ...
- ترامب يلوّح بالقوة ويترك باب التفاوض مفتوحًا.. وطهران: أي هج ...
- خروقات إسرائيلية لوقف إطلاق النار في غزة.. وترامب يشيد بدور ...
- الملك فيليبي والملكة ليتيثيا يحضران القداس التأبيني لضحايا ح ...
- -الجولان أرض سورية-.. مندوب سوريا يؤكد أن المحادثات الأمنية ...
- أخبار اليوم: إغلاق طريق سريع في ألمانيا للاشتباه في وجود متف ...
- النيجر تتهم فرنسا وبنين وساحل العاج بدعم الهجوم على مطار نيا ...


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة فلسفية–لاهوتية في بنية النص وأخلاقه ومسالكه الوجودية