أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأخرًا… واختبارًا أخلاقيًا**














المزيد.....

**الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأخرًا… واختبارًا أخلاقيًا**


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 23:37
المحور: المجتمع المدني
    


لم تكن مظاهرة الأعلام السوداء التي خرجت اليوم في تل أبيب مجرّد حدث احتجاجي عابر، بل لحظة مكثّفة اختزلت سنوات من التراكم الصامت: تراكم العنف، وتراكم الجريمة، وتراكم الشعور بأن حياةً كاملة تُترك لمصيرها خارج سلّم الأولويات.



لم يخرج المتظاهرون لأنهم فوجئوا بالواقع، بل لأنهم استُنزفوا به. فالاحتجاج لا يولد من الصدمة، بل من الاعتياد الذي يصبح لا يُحتمل، حين يتحوّل الدم إلى خبر، والقتل إلى رقم، والنجاة إلى صدفة.



الأسود: رمز العجز بقدر ما هو رمز الرفض



الرايات السوداء لم تُرفع فقط حدادًا على الضحايا، بل إعلانًا عن حالة انسداد. الأسود هنا ليس لون الحزن وحده، بل لون نزع الشرعية عن خطاب رسمي طويل روّج لفكرة أن الجريمة مسألة داخلية، وأن الدم يمكن احتواؤه بالإهمال أو بالإدارة الأمنية الجزئية.



اختيار الأسود — لونًا واحدًا بلا شعارات حزبية — كان محاولة واعية لتجريد الاحتجاج من التسييس السطحي، لكنه في الوقت ذاته وضعه أمام امتحان قاسٍ: هل يستطيع الرمز الأخلاقي أن يتحوّل إلى أداة تغيير فعلي، أم يكتفي بإنتاج صورة قوية بلا أثر مستدام؟



ما الذي أنجزته المظاهرة فعليًا؟



حقّقت المظاهرة ثلاث نقاط لا يمكن تجاهلها.



أولًا، كسرت الجغرافيا السياسية. نقل الاحتجاج من بلدات مهمّشة إلى مركز المدينة ليس تفصيلًا شكليًا، بل مواجهة مباشرة مع قلب المجال العام الإسرائيلي، ومع سردية رسمية اعتادت إبقاء هذا الوجع خارج المشهد المركزي.



ثانيًا، كشفت الفجوة العميقة بين الدولة ومواطنيها العرب. حين تتقدّم عائلات الضحايا المشهد، تسقط لغة “الظاهرة” و“الاستثناء”، ويظهر بوضوح أن ما يجري هو فشل سياسي وأخلاقي ممنهج.



ثالثًا، أعادت تعريف الجريمة بوصفها قضية عامة، لا شأنًا محليًا ولا أزمة مجتمع بعينه، بل نتيجة مباشرة لسياسات تهميش طويلة الأمد، وتواطؤ مؤسسي، وغياب إرادة حقيقية لتفكيك اقتصاد العنف.



لكن الاحتجاج لا يكفي



هنا تحديدًا تبدأ حدود المظاهرة بالظهور.

فالاحتجاج، حين لا يُرفق بمشروع، يتحوّل إلى تنفيس. وحين لا يُبنى عليه تنظيم وضغط متراكم، يُعاد استهلاكه في دورة مألوفة من الغضب ثم النسيان.



ما لم يتبلور بعد — بوضوح كافٍ — هو المسار التالي.

لا يكفي أن نطالب الدولة بالتحرّك من دون تفكيك البنية التي أنتجت هذا الواقع: السياسات الأمنية الانتقائية، إغراق المجتمع بالسلاح، والتعامل مع الجريمة كأداة ضبط اجتماعي لا كخطر وجودي.



الجريمة هنا ليست خللًا طارئًا، بل نتيجة سياسية مباشرة، واستمرارها ليس فشلًا عابرًا، بل اختيارًا.



لمن وُجِّه الاحتجاج؟



ثمة وهم يرافق كثيرًا من الاحتجاجات، وهو الاعتقاد بأن المشكلة تكمن في عدم سماع السلطة. لكن السلطة سمعت منذ زمن، واختارت ألّا تفعل.



من هنا، قد يكون المعنى الأعمق لمظاهرة اليوم ليس فيما قالته للحكومة، بل فيما قالته للمجتمع المحتج نفسه: إن الاكتفاء بالإدانة الأخلاقية لم يعد كافيًا، وإن الغضب — مهما كان صادقًا — لا يصنع سياسة.



فالاحتجاج الحقيقي يبدأ حين يتحوّل الشارع إلى أداة ضغط منظمة، وحين تُصاغ المطالب بلغة قابلة للمحاسبة، وحين يُبنى مسار لا ينتهي بانتهاء اليوم.



بين الوجدان والمسؤولية



قوة مظاهرة الأعلام السوداء كانت وجدانية بلا شك. لكن الوجدان، إن لم يُضبط بالتحليل، يتحوّل إلى استنزاف. المطلوب الآن ليس تكرار المشهد، بل تعميقه: نقل النقاش من عدد الضحايا إلى أسباب القتل، ومن الإدانة العامة إلى المواجهة البنيوية مع السياسات التي سمحت للجريمة أن تزدهر.



خاتمة: اختبار مفتوح



مظاهرة اليوم لم تفشل، لكنها لم تنجح بعد.

هي لحظة وعي، لا لحظة إنجاز. وستُقاس قيمتها الحقيقية بما سيُبنى عليها، لا بما رُفع فيها من رايات.



الأسود الذي غطّى شوارع تل أبيب اليوم إمّا أن يبقى لون حداد دوري، وإمّا أن يتحوّل إلى لون مساءلة سياسية جذرية. بين الاحتمالين، يقف المجتمع أمام اختبار أخلاقي حاسم: إمّا أن يحوّل ألمه إلى مشروع، أو أن يعتاد النزيف… ويرفع الأعلام من جديد.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...
- بين الحقيقة والتضليل: كيف تهدد الأخبار الزائفة ثقة الجمهور ا ...
- لدجل الرقمي: انكشاف العقل المأزوم في زمن فائض التكنولوجيا


المزيد.....




- فلسطينيو الداخل يتظاهرون ضد دعم إسرائيل للجريمة
- كيف يؤثر اختطاف مادورو على ميثاق الأمم المتحدة؟
- رويترز: قاض أمريكي يرفض طلب ولاية مينيسوتا تعليق حملات التفت ...
- انهيار مالي وشيك للأمم المتحدة وغوتيريش يطالب بسداد الالتزام ...
- كلية قلنديا ملاذ أبناء اللاجئين الفلسطينيين تهدده إسرائيل با ...
- مدير الإغاثة الطبية في غزة: المستشفيات استقبلت 60 إصابة جراء ...
- دعوات لاعتقال رئيس إسرائيل خلال زيارته أستراليا
- «نادي الأسير الفلسطيني» يدعو العالم لوقف جرائم إسرائيل بحق ا ...
- إعلام الأسرى: أكثر من 9350 أسيرا فلسطينيا يعيشون أوضاعا اعتق ...
- اعتقال 18 فلسطينيا بالضفة وتهجير جميع سكان -رأس عين العوجا- ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأخرًا… واختبارًا أخلاقيًا**