أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح














المزيد.....

سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 13:49
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


ليست سورة يوسف نصًا يُروى بقدر ما هي تجربة إنسانية تُعاش. إنها ليست قصةً دينيةً بالمعنى السردي، بل بناءٌ فلسفيٌّ عميق يُعيد تعريف الألم، والمعنى، والتحوّل. سورة لا تكتفي بأن تُخبرنا عمّا حدث، بل تدفعنا – بهدوءٍ بالغ – إلى مساءلة ذواتنا: ماذا نفعل حين نُلقى في جبابنا الخاصة؟

يوسف، منذ لحظة إلقائه في الجبّ، لا يُنتزع من مكانه فقط، بل من تعريفه الأول: الابن، المحبوب، الآمن. الجبّ في السورة ليس حفرةً في الأرض، بل عزلة وجودية؛ اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن الخذلان قد يأتي من حيث توقّع الحماية. وهنا يتشكّل السؤال الفلسفي المركزي: كيف نحافظ على جوهرنا حين تنهار خرائط الطمأنينة؟

إخوة يوسف لا يُقرأون كشخصيات تاريخية فحسب، بل كرموز نفسية وأخلاقية مكثّفة. إنهم الغيرة حين تعمى، والمقارنة حين تنقلب إلى عداء، والخوف من التفوّق حين يتحوّل إلى مبرّر للإقصاء. إنهم الظلّ الإنساني الذي لا يحتمل النور في غيره، فيسعى إلى إطفائه بدل أن يواجه عتمته الخاصة.

تنتقل السورة من الجبّ إلى العبودية لا بوصفها انتقالًا مكانيًا، بل بوصفها طورًا وجوديًا في تشكّل الوعي. يوسف عبدٌ في الظاهر، لكنه يحتفظ بحريته الداخلية كاملة. الحرية هنا ليست موقعًا اجتماعيًا، بل موقفًا أخلاقيًا: القدرة على حماية الجوهر وسط الإذلال. في بيت العزيز يبلغ الامتحان ذروته؛ لحظة تتقاطع فيها السلطة والجمال والرغبة. يوسف لا يرفض امرأة، بل يرفض أن يخون صورته الداخلية، أن يصبح أقلّ مما يعرف أنه قادر على أن يكون.

ثم يأتي السجن، لا كعقوبة، بل كرحمٍ للتحوّل. في العتمة تتخلّق الرؤيا، وفي الصمت يتبلور المعنى. يوسف في السجن لا يطرح السؤال السطحي: لماذا أنا هنا؟ بل السؤال الجوهري: من يجب أن أكون وأنا هنا؟ وهنا تتجلّى عظمة السورة الفلسفية: الألم ليس المشكلة، بل غياب المعنى. والسجن، على نحوٍ paradoxي، لا يقيّد رسالة يوسف، بل يمنحها صفاءً وعمقًا.

الرؤيا في السورة ليست تنبؤًا غيبيًا فحسب، بل لغة بديلة حين تعجز اللغة المباشرة. يوسف قادر على التأويل لأنه عاش الرموز قبل أن يفسّرها. من ذاق الجبّ يفهم الحلم، ومن عبر الألم دون أن ينكسر يملك مفاتيح المعنى. المعرفة هنا ليست تراكمًا ذهنيًا، بل حكمةً مرّت عبر الجرح وبقيت حيّة.

وحين يبلغ يوسف موقع السلطة، لا ينتقم. هنا الذروة الأخلاقية للنصّ.
الانتصار الحقيقي لا يكون بردّ الأذى، بل بتجاوزه.
«لا تثريب عليكم اليوم» ليست جملة عاطفية، بل إعلان تحرّر من أسر الماضي. يوسف لا ينكر الجريمة، لكنه يرفض أن يُعرّف ذاته من خلالها. إنه يختار المستقبل بدل أن يسكن الذاكرة الجريحة.

في المقابل، يقف يعقوب بوصفه صورةً أخرى للصبر: الصبر الجميل. ليس الصبر الذي يُخفي الألم أو يبتلعه، بل الصبر الذي يرفعه إلى الله دون تشويه ودون ادّعاء. يعقوب يفقد بصره، نعم، لكنه لا يفقد بصيرته. الفقد في السورة ليس نقيض الرجاء، بل معبره الصامت.

تقول سورة يوسف، في عمقها الوجودي والوجداني، ما لا يُقال مباشرة:
ليس كل سقوط نهاية،
ولا كل ظلم هزيمة،
ولا كل تأخير حرمان.

أحيانًا يتأخّر الفرج لأن الروح لم تنضج بعد،
وأحيانًا يُغلَق الباب لأن الدرس لم يُستوعب.

يوسف لم يصل إلى القصر مصادفة، بل لأنه بقي يوسف في الجبّ، وفي الرقّ، وفي السجن.
ومن يظلّ وفيًّا لجوهره،
تأتيه الحياة في اللحظة التي تشبهه… لا قبلها، ولا بعدها.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة


المزيد.....




- إليكم ثلاثة مصطلحات استخدمتها CNN للبحث في 3 ملايين صفحة من ...
- ليدي غاغا تتحوّل إلى -ساحرة- في إطلالات حفل جوائز غرامي
- فيديو لـ-لحظة خروج صواريخ باليستية من مخازنها في إيران-.. ما ...
- -من جنسيات عربية-.. وزير الداخلية الكويتي يشرف على ضبط -تشكي ...
- حريق غامض في قلب طهران والدخان يغطي أحياء واسعة.. ما الذي حد ...
- فرح ودموع في غزة مع عودة فلسطينيين إلى القطاع بعد فتح معبر ر ...
- قصف روسي جديد يهز كييف بعد وساطة ترامب.. وزيلينسكي يتهم موسك ...
- البرازيل: آلاف في ريو دي جانيرو يحيون طقوس تكريم إلهة البحر ...
- أخبار اليوم: محكمة تونسية تشدد أحكاما بالسجن على معارضين
- فضيحة إبستين ـ ميركل وحزب -البديل- ضمن وثائق التحقيق


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح