أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية الفعل إلى فائض الكتابة**














المزيد.....

**حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية الفعل إلى فائض الكتابة**


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 21:44
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يعد سؤال المثقّف سؤالَ دورٍ اجتماعيّ أو وظيفة ثقافية، بل تحوّل إلى سؤال وجوديّ يمسّ جوهر المعنى: ماذا يعني أن تكون مثقّفًا في زمنٍ انفصل فيه القول عن العواقب، وتحرّرت فيه الكلمة من ثقل الالتزام، وصارت الثقافة نفسها مجالًا للاستهلاك السريع لا للاختبار الأخلاقي؟

في صورته العميقة، لم يكن المثقّف يومًا مجرّد حامل معرفة، بل كان كائنًا قَلِقًا، مأهولًا بالتناقض، يعيش توتّرًا دائمًا بين الفكر والواقع، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن. من هذا القلق استمدّ شرعيته، لا من شهرته ولا من منابره. لذلك ارتبط حضوره تاريخيًا بمعنى “ما وقر في العقل وصدّقه العمل”، حيث لا تُكتَب الفكرة قبل أن تُمحَّص، ولا يُقال القول قبل أن يُختبَر في الحياة، ولا تُكتسَب المشروعية إلا بدفع ثمنها وجوديًا.

اليوم، لا يبدو أن المثقّف قد اختفى، بل إن صورته تفكّكت. نحن أمام وفرة غير مسبوقة في الأصوات، يقابلها شحّ مقلق في المعنى. أمام سيل لغويّ جارِف، يقابله جفاف أخلاقيّ صامت. تحوّل كثير من المثقفين من فاعلين نقديين إلى عارضين دائمين، من ذواتٍ تفكّر إلى ذواتٍ تُعلّق، من ضمائر إشكالية إلى حسابات رقمية. هكذا ظهر مثقّف “ما خطر في البال وجرّه القلم”، حيث تُستبدل عمليّة التفكير البطيئة بفعل النشر السريع، ويُقاس العمق بعدد التفاعلات لا بقدرة الفكرة على إزعاج السائد.

ليست المشكلة في الكتابة ذاتها، بل في انفصالها عن التجربة. حين تُنتَج الأفكار دون أن تمرّ عبر الألم، وحين تُستهلَك القضايا دون أن تُلامس الواقع المحلي، تتحوّل الثقافة إلى أداء لغويّ أنيق، فاقد للفاعلية. هنا يفقد المثقّف صفته كـ“سفير لقيمه”، ويصير اسمًا بلا أثر، وحضورًا بلا مسؤولية.

في الفضاءات الرقمية، يُختبَر المثقّف اختبارًا قاسيًا: هل ينتمي أم يتنقّل؟ هل يؤثّر أم يُستهلَك؟ هل ينحاز لأسئلته الصغيرة في بيئته الثقافية، أم يلوذ بخطابات كونية مجرّدة يمارس من خلالها نوعًا من الاستعراض الرمزي؟ كثيرون اختاروا الطريق الأسهل: لغة متضخّمة، قضايا كبرى، ومردود واقعي شبه معدوم.

أما الذكاء الاصطناعي، فلا يشكّل في ذاته خطرًا على المثقّف الحقيقي. فالآلة – مهما بلغت – لا تمتلك ضميرًا، ولا ذاكرة أخلاقية، ولا قدرة على تحمّل المسؤولية. الخطر الحقيقي يكمن في المثقّف الذي تنازل طوعًا عن دوره، واكتفى بتجميع الأفكار وتدويرها، فصار قابلًا للاستبدال، لا لأن الآلة أذكى، بل لأن المثقّف تخلّى عن تفرده الإنساني.

لم ينتهِ زمن المثقّف، بل انتهى زمن الامتياز الثقافي المجّاني. انتهى زمن المثقّف الذي يُصدَّق لأنه مثقّف، ويُحتفى به لأنه يكتب. ما بقي – وما يجب أن يبقى – هو مثقّف يستعيد الصلة بين الفكر والفعل، بين اللغة والأخلاق، بين الكتابة والمسؤولية. مثقّف يدرك أن الثقافة ليست مهنة، بل موقفًا أخلاقيًا، وأن الصدق ليس شعارًا بل ثمنًا.

وبكل صراحة موجعة: المجتمع اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الكتّاب، بل إلى مثقّفين قادرين على تحمّل ثقل المعنى. لا يحتاج إلى فائض رأي، بل إلى عمق موقف. فحين يصير القول بديلاً عن الضمير، لا تعود الثقافة قوة تغيير، بل تصبح أحد أعراض الفراغ.

المثقّف الحقيقي لم ينقرض، لكنه صار نادرًا. نادرًا لأن العمق مُرهق، والصدق مكلف، والوقوف في منطقة القلق أصعب من السباحة في يقين القطيع. ومع ذلك، سيبقى، لأن الثقافة – مثل الإيمان – لا تُقاس بالعدد، بل بالجوهر



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا
- الإضراب العام… حين يصرخ الوجدان في فراغ العدالة
- عند عتبة رمضان: تأمّل مسيحي في الزمن والمعن
- «من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة! لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذ ...


المزيد.....




- كيف تتم عملية الترحيل من ألمانيا؟
- شرطة فرنسا تحتج على -انعدام- الحماية القانونية وإرهاق العمل ...
- حريق حضانة أطفال يهز جنوب لندن وتحذيرات عاجلة للسكان
- ناسا تقترب من إطلاق مهمة العودة للقمر بأربعة رواد فضاء
- -ما وراء الخبر- يتناول فرص الحل الدبلوماسي بين طهران وواشنطن ...
- أمير قطر يتلقى اتصالا هاتفيا من الرئيس الفرنسي
- هل ينجح -التراجع التكتيكي- الإيراني في نزع فتيل ضربة البنتاغ ...
- ترمب يعلق على وثائق إبستين الجديدة
- ملفا الطاقة والأراضي يتصدران المطالب الأوكرانية في مفاوضات أ ...
- لماذا لا يملّ الشارع الأوروبي من التظاهر من أجل غزة؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية الفعل إلى فائض الكتابة**