رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 23:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في ظل استمرار الحرب على غزة، وتزايد الصمت الدولي حيال ما يجري من قتل وحصار وتجويع، يعود سؤال الرواية إلى الواجهة: من يملك حق تعريف ما يحدث؟ ومن يقرر أي دم يُرى، وأي معاناة تُهمَّش؟
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، لا يبدو الصمت حيادًا، بل يتحوّل إلى موقفٍ كامل الأركان. فحين تُقصف المدن، وتُحاصر الذاكرة، ويُعاد تعريف الضحية وفق موازين القوة، يصبح الصمت سياسة، وتغدو الحقيقة بندًا مؤجلًا في جدول الأعمال الدولي.
ما نشهده اليوم ليس فقط عدوانًا على الجغرافيا، بل على المعنى نفسه. فالكلمات تُستنزف، والمصطلحات تُفرّغ من محتواها، حتى بات القتل “دفاعًا عن النفس”، والحصار “إجراءً أمنيًا”، والدم الفلسطيني رقمًا عابرًا في نشرات الأخبار. هنا لا يعود الخطر في الفعل وحده، بل في اللغة التي تبرّره وتُطَبِّعه.
الإعلام العالمي، إلا من استثناءات محدودة، لا يزال أسير الرواية الأقوى لا الأصدق. يختزل القضية في مشاهد آنية، ويُغفل السياق، ويتجاهل الجذور، كأن التاريخ بدأ بالأمس، وكأن الاحتلال حادث طارئ لا منظومة متكاملة عمرها عقود. هذا التواطؤ الناعم، غير المعلن، أخطر من التصريحات الفجّة، لأنه يُلبس الانحياز قناع المهنية والموضوعية.
في المقابل، يقف المثقف الفلسطيني – والعربي عمومًا – أمام امتحان أخلاقي ومعرفي صعب. لم يعد كافيًا أن نكتب بدافع الغضب، ولا أن نكتفي بلغة الشكوى أو الرثاء. المطلوب اليوم خطاب نقدي واعٍ، قادر على تفكيك الرواية السائدة، وإعادة الاعتبار للإنسان قبل الأيديولوجيا، وللحق قبل الاصطفاف السياسي.
الثقافة ليست ترفًا في زمن الدم، بل أداة مقاومة. والكتابة، حين تكون صادقة وجريئة، فعل مواجهة لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال. إن الدفاع عن فلسطين لا يكون فقط بالشعارات، بل بإعادة تقديمها كقضية عدالة إنسانية كونية، لا ملفًا سياسيًا قابلًا للتجزئة أو المساومة.
قد يطول الطريق، وقد تتراكم الخيبات، لكن التاريخ لا يُكتب ببيانات المنتصرين وحدهم، بل بأصوات الذين رفضوا الصمت، وقرروا أن يقولوا “لا” حين كان قولها مكلفًا. وفي زمن الالتباس، تبقى الكلمة الحرة آخر ما نملك… وأول ما يجب أن ندافع عنه.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟