أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل














المزيد.....

العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8617 - 2026 / 2 / 13 - 22:50
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست المسألة دائمًا في القوانين، ولا في فرص العمل، ولا حتى في التمثيل السياسي.

أحيانًا تكمن المسألة في سؤال أبسط وأكثر تعقيدًا في آن:

كيف تعيش وأنت تنتمي إلى روايتين لا تتطابقان بالكامل؟



الفلسطيني في الداخل لا يعيش فقط داخل حدود جغرافية مزدوجة،

بل داخل سرديتين متوازيتين.



واحدة تُعرّف الدولة بوصفها تحققًا قوميًّا مكتملًا.

وأخرى ترى في التاريخ انقطاعًا لم يُغلق بعد.



هو لا يستطيع أن ينفي إحداهما بالكامل،

ولا أن يذوب في الأخرى بالكامل.



وهنا يبدأ التوتر الهادئ.

في المدرسة، يتعلم سردية رسمية.

في البيت، يسمع سردية موروثة.

في الجامعة، يواجه خطابًا حداثيًا فرديًا.

وفي الفضاء العام، يُطلب منه أن يعرّف نفسه بدقة.



هذا التعدد ليس رفاهًا فكريًا.

إنه واقع يومي.



الوعي هنا لا يتشكل في خط مستقيم، بل في طبقات متراكبة.

لغة رسمية ولغة وجدانية.

هوية مدنية وهوية قومية.

انتماء واقعي وانتماء رمزي.



إدارة هذا التعقيد تتطلب يقظة دائمة.

العيش بين سرديتين لا يعني الانقسام، بل يعني الحساسية.

حساسية تجاه الكلمات.

تجاه التواريخ.

تجاه الرموز.



ما قد يكون عاديًا لطرف، قد يكون مؤلمًا لطرف آخر.

وما يبدو بديهيًا في خطاب، قد يكون مستفزًا في خطاب موازٍ.



لهذا يتطور لدى الفلسطيني في الداخل نوع من الوعي الحذر:

وعي يعرف أن لكل رواية حدودها، ولكل مساحة لغتها الخاصة.

غير أن هذه القدرة على العيش بين عوالم متعددة لا تخلو من كلفة.

إنها تتطلب ترجمة مستمرة:

ترجمة الذات للآخر،

وترجمة الآخر للذات.



وفي لحظات التوتر، يصبح هذا الجهد مرهقًا.

ليس لأن الانتماء ضعيف، بل لأن التناقض بنيوي.



فأنت مطالب بأن تكون جزءًا من نظام سياسي قائم،

وفي الوقت نفسه حاملًا لذاكرة لم تُحلّ سياسيًا.

هذا الوضع لا ينتج دائمًا احتجاجًا صاخبًا.

أحيانًا ينتج صمتًا كثيفًا.

وأحيانًا ينتج خطابًا محسوبًا بدقة.

وأحيانًا ينتج انفجارًا مفاجئًا بعد تراكم طويل.



لكن في جميع الحالات، يبقى الوعي مشدودًا بين مستويين:

الواقع القائم،

والتاريخ المفتوح.

العيش بين سرديتين ليس مرضًا سياسيًا،

ولا ازدواجية أخلاقية.

هو تعبير عن تعقيد تاريخي لم يُحسم.



والمشكلة ليست في هذا التعقيد ذاته،

بل في تجاهله.



حين يُطلب من الإنسان أن يختار رواية واحدة ويُنكر الأخرى،

يُختزل وعيه.

وحين يُسمح له بالعيش في المنطقة الرمادية دون اعتراف صريح بتعقيدها،

يبقى معلقًا.

المواطنة المستقرة لا تعني محو السرديات،

بل تعني الاعتراف بتعددها داخل الفضاء العام.



أن تكون جزءًا من دولة لا يعني أن تتخلى عن ذاكرتك.

وأن تحمل ذاكرة لا يعني أنك خارج الدولة.



لكن هذا التوازن يحتاج إلى اعتراف متبادل،

لا إلى إدارة صامتة للتناقض.

ربما لهذا يبدو الفلسطيني في الداخل أحيانًا أكثر حذرًا، وأكثر تركيبًا، وأقل يقينًا في شعاراته.

ليس لأنه متردد،

بل لأنه يعيش في مساحة لا تسمح باليقين البسيط.



وهذه المساحة، بقدر ما تُرهق،

تُنتج أيضًا وعيًا سياسيًا مختلفًا:

وعيًا يعرف أن الواقع ليس ثنائيًا كما يبدو،

وأن الهوية ليست اختيارًا واحدًا نهائيًا.

العيش بين سرديتين ليس قدرًا دائمًا،

لكنه واقع حاضر.



وإلى أن يتحول الاعتراف إلى مساحة مشتركة لا إلى شرط،

سيبقى هذا الوعي الحذر جزءًا من تكوين الفلسطيني في الداخل.



لا لأنه يريد أن يكون بين-بين،

بل لأن التاريخ وضعه هناك.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...


المزيد.....




- -تغيير النظام يبدو أفضل ما يمكن أن يحدث-.. ترامب يوضح ما يمك ...
- -تجاهل لدورنا في استقرار سوريا-.. تركيا تتهم البرلمان الأورو ...
- مؤتمر ميونيخ ـ أوروبا تعاتب واشنطن وتؤكد اعتمادها على قدراته ...
- -مسار الأحداث-.. ما احتمالات اللجوء للخيار العسكري ضد إيران ...
- آلاف الاعتداءات نفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين بالضفة
- رغم الخلافات في ميونيخ.. أمريكا وقادة أوروبا يتفقون على أمر ...
- ترامب يرجح نجاح المفاوضات مع إيران: إما اتفاق أو -يوم سيئ- ي ...
- أخبار اليوم ـ ترامب: حاملة الطائرات -جاهزة- إذا فشلت المفاوض ...
- ترامب يزور قوة شاركت في القبض على مادورو ويقول إن الخوف ضرور ...
- ترمب يعلن عزمه زيارة فنزويلا ويشيد بالرئيسة المؤقتة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل