أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى














المزيد.....

وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 12:01
المحور: قضايا ثقافية
    


لا يُختزل المستقبل في كونه زمنًا لم يأتِ بعد، ولا يمكن النظر إليه بوصفه امتدادًا آليًا للحاضر، بل هو، في جوهره، بناءٌ رمزيٌّ وثقافيٌّ يتشكّل في الوعي قبل أن يتجسّد في الواقع. ومن هنا، فإن السؤال عن «وعي المستقبل» هو سؤال عن طبيعة علاقتنا بالزمن، وعن قدرتنا على إدراك التحوّلات العميقة التي تعمل في صمت داخل بنية الفكر والخيال والقيم.

في هذا الأفق، تتحدّد مكانة المثقف بوصفه كائنًا إشكاليًا لا يستقرّ تمامًا في زمن واحد. فالمثقف ليس شاهدًا محايدًا على الحاضر، ولا ناسخًا للذاكرة، بل هو ذاتٌ قلقة تعيش توتّر الأزمنة مجتمعة. إنه يقرأ الحاضر بعينٍ نقدية، ويستدعي الماضي بوصفه سؤالًا لا ملاذًا، ويتطلّع إلى المستقبل بوصفه أفقًا مفتوحًا لا يقينًا جاهزًا.

إن الانتماء إلى المستقبل لا يعني القطيعة مع الماضي، كما لا يعني الانفصال عن الواقع، بل يعني، على نحو أعمق، امتلاك القدرة على تحرير الزمن من القراءة الخطّية الساذجة، والنظر إليه بوصفه شبكةً من الاحتمالات. فالماضي، حين يتحوّل إلى يقين مغلق، يصبح عبئًا يثقل الحاضر ويغلق أفق الغد. أما حين يُعاد تأويله تأويلًا نقديًا، فإنه يتحوّل إلى طاقة رمزية تُغذّي الخيال وتمنح المستقبل جذوره دون أن تكبّله.

كثيرًا ما يُوصَف الأدباء والمبدعون بأنهم يعيشون خارج الزمن أو على هامشه، غير أن هذا «الهامش» ليس موقع عزلة بقدر ما هو موقع رؤية. فالإبداع، في جوهره، لا يولد في مناطق الامتثال، بل في مناطق التوتّر، حيث يصبح الزمن نفسه موضوعًا للتفكير والاختبار. ولهذا، تبدو أرواح المبدعين – في كثير من الأحيان – وكأنها تنتمي إلى عصر لم يتشكّل بعد، بينما تظلّ أجسادهم محكومة بإكراهات عصرهم. وهذه الازدواجية ليست انفصالًا، بل شرطًا من شروط الخلق، ودليلًا على حساسية خاصة تجاه التحوّل.

الحديث عن المستقبل، في سياقه الثقافي، ليس حديثًا عن التقدّم التقني أو التحوّلات المادية، بل هو حديث عن مصير الإنسان الرمزي: عن القيم التي ستنظّم علاقته بذاته، وبالآخر، وبالعالم. فالمستقبل الذي يُفرَّغ من المعنى ليس وعدًا، بل خطرًا، والمستقبل الذي لا يُؤسَّس على وعي نقدي قد يتحوّل إلى إعادة إنتاج أكثر حدّة للفراغ الذي نعيشه.

من هنا، تتجلّى مسؤولية المثقف لا بوصفه «مبشّرًا» بالمستقبل، بل بوصفه حارسًا للمعنى. فالمثقف لا يملك نبوءة، ولا يقدّم وصفات جاهزة، لكنه يمتلك حسًّا استشرافيًا يجعله أكثر انتباهًا للأخطار الصامتة: تآكل القيم، تسطيح الوعي، تطبيع القبح، وانحسار الخيال. وهي أخطار لا تُقاس بالمؤشّرات الظاهرة، بل تُستشعر في اللغة، وفي الذوق، وفي ما يُقصى من الأسئلة أكثر مما يُقال.

إن «وعي المستقبل» هو، في عمقه، وعيٌ بالمسؤولية الرمزية. فالكلمة ليست بريئة، والصورة ليست محايدة، والخيال ليس ترفًا. وكل إنتاج ثقافي يشارك، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تشكيل أفق التوقّعات، وفي اقتراح صورة ما عن الإنسان القادم. والمثقف، حين يبدع، لا يصف الواقع فحسب، بل يعيد ترتيب علاقتنا به، ويفتح إمكانات جديدة لفهمه أو تجاوزه.

وفي الإبداع الأدبي والفني، لا يحضر المستقبل عادة بوصفه موضوعًا صريحًا، بل يتسرّب في هيئة قلق وجودي، أو بحثٍ عن لغة جديدة، أو كسرٍ للمألوف. فاللغة التي تتجدّد تعلن انتماءها إلى الغد، واللغة التي تتخشّب تكشف خوفها منه. لذلك، فإن التجريب ليس نزوة شكلية، بل موقف زمني، ومحاولة للإمساك بتحوّل لم يستقرّ بعد.

في المحصلة، لا يستطيع المثقف أن يقيم خارج الزمن، كما لا يمكنه أن يذوب فيه دون مقاومة. إن مهمّته الأعمق هي الإقامة في المسافة الحرجة بين الذاكرة والحلم، بين ما كان وما يمكن أن يكون، مع الحفاظ على يقظة السؤال في عالم سريع الاستهلاك للمعنى. فالمستقبل، قبل أن يكون زمنًا نصل إليه، هو أفق نُعيد تشكيله باستمرار، والمثقف، بقدر ما يمتلك شجاعة الوعي، يظلّ أحد حرّاس هذا الأفق وصُنّاع معناه.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى


المزيد.....




- بعدما صرخ باسمه بين الحشود.. رجل يقاطع الملك تشارلز لسؤاله ع ...
- قصة الملياردير الذي تحدّى قيود الصين فخسر حريّته
- لاريجاني يصل مسقط قبل توجهه إلى الدوحة.. تركيا تطمئن: لا حرب ...
- أخبار اليوم: رئيسة البرلمان الألماني تبدأ اليوم زيارة رسمية ...
- أوكرانيا: موسكو تعتبر أن الطريق لا تزال طويلة أمام المفاوضات ...
- فوز ساحق لحزب رئيسة وزراء اليابان في الانتخابات التشريعية
- نحو سيطرة إسرائيلية كاملة.. كيف ستتغير الضفة بعد قرارات الكا ...
- تجميع مباشر ومفصل لسيارة جيب يثير اهتمام عشاق السيارات
- ضغوط بالكونغرس الأمريكي لنشر ملفات قضية إبستين كاملة
- حصار غزة يهدد بتوقف خدمات المختبرات وبنوك الدم


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى