أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء














المزيد.....

النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 19:49
المحور: الادب والفن
    


لا تهرب بعض النساء من بيوتهن لأن البيت خطر،

بل لأن البيت، حين يطالب بالنسخة الواحدة،

يصبح شكلًا مهذّبًا من العنف.



في مجتمعاتنا، يُكافأ الاتساق،

ويُدان التشظّي،

وتُربّى النساء على فكرة واحدة خطيرة:

أن عليهن أن يكنّ واضحات دائمًا.

واضحات في الرغبة،

واضحات في الاتجاه،

واضحات في من هنّ.



لكن الوضوح ليس قيمة إنسانية محايدة،

بل مطلب سلطوي.

إنه أداة ضبط.



في العشرينيات،

تكتشف بعض النساء أن المشكلة لم تكن يومًا في هشاشتهن،

بل في الإصرار على أن يكنّ قابلـات للاختزال.

أن يُضغط وعيهن في تعريف واحد،

وسلوك واحد،

وسيرة مستقيمة لا تسمح بالانقطاع أو القفز أو التراجع.



ماذا عن العقول التي لا تعمل بهذا المنطق؟

العقول التي تتسارع،

تتشظّى،

ترى الاحتمالات كلها دفعة واحدة؟

نسمّي ذلك تشتّتًا،

لأن الثقافة لا تملك شجاعة الاعتراف

بأن بعض الفوضى شكل من أشكال الذكاء.



وحين لا يحتمل الجسد هذا الضغط المستمر،

تبتكر النفس مخارجها.

ليس بوصفه انهيارًا،

بل بوصفه إعادة توزيع قاسية للألم.

أصوات داخلية تتناوب القيادة،

أدوار تُقسَّم كي لا ينهار الكل.



نسمي هذا اضطرابًا،

لأن التسمية الطبية أسهل

من مساءلة النظام الذي دفع المرأة

إلى هذا الحدّ من الدفاع.



السؤال الحقيقي ليس:

لماذا تنقسم هذه المرأة؟

بل:

لماذا طُلب منها أن تكون واحدة أصلًا؟



البيت الذي تغادره كثيرات

ليس دائمًا بيتًا عنيفًا بالمعنى المباشر.

غالبًا هو بيت “جيّد”:

آمن،

مستقر،

يعرف بالضبط ما يريده منها.

وهنا تكمن خطورته.



البيوت التي تعرف ما تريده من النساء

نادراً ما تسأل عمّا يردنه لأنفسهن.

تحبّهن بشرط،

وتحميهن بثمن،

وتمنح الأمان مقابل التنازل عن الاتساع.



الهرب، في هذا السياق،

ليس فعلًا رومانسيًا،

ولا تمرّدًا عاطفيًا،

بل انسحابًا واعيًا من عقد غير مكتوب

يطلب من المرأة أن تدفع صحتها النفسية

ثمن القبول الاجتماعي.



في المدن الجديدة،

لا تبحث هؤلاء النساء عن حرية مطلقة،

بل عن حياة قابلة للتعديل.

أسماء أخفّ،

غرف أصغر،

وهوية لا تُعاقَب إن تغيّرت.



يتعلّمن أن النجاة

لا تعني أن يصبحن متماسكـات،

بل أن يُسمَح لهنّ بأن يكنّ غير مكتملات

دون وصم،

ودون علاج قسري،

ودون خطاب أخلاقي مزيّف.



الثقافة التي تحتفي باستقلال الرجل

وتُشيطن انسحاب المرأة

هي ثقافة تخاف مما لا يمكن ضبطه.

والمرأة التي ترفض النسخة الواحدة

ليست خطرًا لأنها ضعيفة،

بل لأنها تفضح الوهم:

وهم أن التماسك فضيلة،

وأن الاستقرار دليل صحة،

وأن السلامة النفسية لا تتحقق

إلا حين تختفي التناقضات.



لهذا،

حين تهرب امرأة في العشرينيات من بيتها،

لا تسألوها عمّا فشلت فيه.

اسألوا النظام الذي جعل البقاء

أكثر إيلامًا من الرحيل.



بعض النساء لا يحتجن إلى شفاء،

بل إلى اعتراف بسيط وخطير:

أن طلب النسخة الواحدة

ليس حيادًا اجتماعيًا،

بل عنفًا منظّمًا.



وأن الحقّ في التشظّي،

هو في جوهره،

حقّ في الحياة

دون ابتزاز.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...


المزيد.....




- كبرنا وكبر الكرتون.. هل كان الضحك كافيًا أم بات لا يضحكنا شي ...
- لوحة بـ50 مليون يورو.. معركة قانونية لاستعادة -فان غوخ- من م ...
- الخارجية والاتصال الحكومي يتابعان تنفيذ خطة لتعزيز حضور الرو ...
- فنه من الخردة ورزقه من الشاي.. حكاية فنان تونسي يرفض التخلي ...
- وزارة النقل والثقافة تحتفيان بالمولد النبوي الشريف بعروض إنش ...
- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء