أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية














المزيد.....

في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 18:11
المحور: المجتمع المدني
    


لا تأتي العلاقات السامة دائمًا في صورة صدامٍ واضح أو عنفٍ صريح. كثيرًا ما تتسلّل بهدوء، وتستقرّ في حياة الإنسان بوصفها أمرًا طبيعيًا، مستندة إلى القرب، أو القرابة، أو التاريخ المشترك. هكذا تُمارس أذاها دون ضجيج، وتُنهك الروح باسم المحبة، وتستنزف الفرد تحت لافتات أخلاقية يصعب الاعتراض عليها.



لقد كرّست الثقافة الاجتماعية، طويلًا، فكرة مفادها أن الاحتمال فضيلة مطلقة، وأن الصمت دليل نُبل، وأن التخلّي—خصوصًا عن الأقربين—فعل مشين لا يُغتفر. غير أن هذا التصوّر، حين يُقارب من زاوية أخلاقية نقدية، يكشف عن مفارقة عميقة: كيف يمكن اعتبار الاستمرار في علاقة تُنتهك فيها الكرامة فعلًا أخلاقيًا، بينما يُدان الانسحاب بوصفه أنانية؟



العلاقة السامة لا تُقاس بحدّة الخلاف، بل بأثرها التراكمي على الذات. بما تخلّفه من إنهاك نفسي، وتشويش في الوعي، وشعور دائم بالذنب كلما حاول الفرد أن يضع حدًا أو يطالب بتوازن. هي علاقة تقوم على اختلال غير معلن في ميزان القوة؛ طرف يُطالَب بالفهم الدائم، وطرف لا يُطالَب بالمراجعة.



وتزداد خطورة هذه العلاقات حين تصدر عن الأقربين. فالقرب، هنا، لا يمنح الأمان، بل يُضاعف الأذى. القريب يعرف مواضع الهشاشة، ويدرك كيف يُربكك دون أن يترك أثرًا ظاهرًا. ولهذا يكون القرار بالانسحاب مؤلمًا، لا لأنه خاطئ، بل لأنه يواجه منظومة كاملة من التوقعات والاتهامات المسبقة.



من منظور أخلاقي، لا يُعدّ التخلّي عن العلاقة السامة هروبًا من المسؤولية، بل إعادة تعريف لها. فالمسؤولية لا تعني البقاء في كل علاقة، بل القدرة على التمييز بين ما يُنمّي الإنسان وما يُفنيه. والولاء، حين يتحوّل إلى صبر أحادي الاتجاه، يفقد قيمته الأخلاقية ويتحوّل إلى شكلٍ من أشكال العنف الذاتي.



إن أخطر ما تفعله العلاقات السامة أنها تُربّي في الإنسان شعورًا مزمنًا بالذنب تجاه نفسه. فيُقنع ذاته بأن ألمه مبالغة، وأن حاجته إلى الهدوء ضعف، وأن رغبته في الابتعاد خيانة. بينما الحقيقة أبسط وأكثر جذرية: لا يحتاج الإنسان إلى تبرير رغبته في السلام.



القطيعة، في هذا السياق، ليست إنكارًا للمحبة، بل رفضًا لتشويهها. ليست عداءً، بل استعادة للحدود. وهي لا تعني بالضرورة الكراهية، بل الاعتراف بأن بعض العلاقات، مهما كان قربها، لا تصلح للاستمرار دون أن تُلحق ضررًا دائمًا بالذات.



في لحظة النضج القصوى، يدرك الإنسان أن بعض العلاقات لا تنهار لأنها فشلت، بل لأنها استنفدت معناها. وأن البقاء فيها ليس وفاءً، بل خوفٌ من مواجهة الفراغ المؤقت الذي يخلّفه الانسحاب. غير أن هذا الفراغ، على قسوته، أرحم من الامتلاء بالأذى.



إن طرح العلاقات السامة من حياتنا—حتى حين تكون الأقرب—ليس فعل قسوة، بل شجاعة أخلاقية هادئة. هو دفاع عن الحق في الاتزان، وعن حق الإنسان في أن يعيش دون أن يشرح ألمه باستمرار، ودون أن يُختزل في دور المُحتمل الأبدي.



وهنا، لا تنتهي العلاقة فقط… بل يبدأ الإنسان في استعادة نفسه.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة


المزيد.....




- عقوبات إدارة ترمب تغزو حصون الأمم المتحدة وموظفيها
- جولة ميرتس الخليجية.. شراكات تتوسع وأسئلة حقوق الإنسان لا تغ ...
- أسفر عن مقتل سفيرها و3 مواطنين.. أمريكا تعلن اعتقال المتهم ا ...
- الأمم المتحدة تحذّر بريطانيا وفرنسا: اتفاق اللجوء بين البلدي ...
- الأمم المتحدة ترفض عقوبات ترامب على مسؤوليها وتؤكد: ألبانيزي ...
- ترمب يواجه اتهامات بالعنصرية بعد نشر فيديو يصور أوباما وزوجت ...
- مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ينتقد أحدث أنشطة استيطان إس ...
- مقترح جديد يقضي بمنع طالبي اللجوء من اختيار سكنهم بأنفسهم
- بين حرية النقد وسيف التشريع.. اعتقال نائب تونسي معارض للرئيس ...
- شمال دارفور على حافة المجاعة: الأطفال أكثر المتضررين


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية