أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي














المزيد.....

الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 22:40
المحور: الادب والفن
    


لا يأتي رحيل الشاعر الفلسطيني عبد الناصر صالح بوصفه خبرًا ثقافيًا عابرًا، بل بوصفه حدثًا يفرض إعادة التفكير في معنى الشعر ودوره داخل سياقٍ يتجاوز الأدب إلى سؤال الوجود ذاته. فبغيابه، لا يخسر المشهد الثقافي صوتًا شعريًا فحسب، بل يفقد أحد أشكال الوعي التي اشتغلت بهدوء، وبصرامة، بعيدًا عن الاستهلاك الخطابي والبلاغة الجاهزة.

لم يكن عبد الناصر صالح شاعر مناسبة، ولا كاتب انفعال آني. لقد تعامل مع الشعر بوصفه مسؤولية معرفية، لا مساحة تعبير حرّ فقط. كانت القصيدة عنده أداة مساءلة: للغة، وللواقع، وللطريقة التي يُعاد بها إنتاج المعنى تحت ضغط التاريخ. من هنا، لا يمكن قراءة تجربته خارج هذا الوعي الصارم بدور الكتابة، وبتكاليفها الأخلاقية.

في نصوصه، لم تظهر فلسطين بوصفها رمزًا شعريًا أو استعارة كبرى، بل كشرط وجودي للكتابة نفسها. حضورها لم يكن زخرفيًا ولا توصيفيًا، بل امتحانيًا: كيف نكتب دون أن نزيّف الألم؟ وكيف نحافظ على توتر اللغة دون أن نحول المأساة إلى أسلوب؟ هذا السؤال، أكثر من أي شعار، هو ما شكّل عمق مشروعه الشعري.

تميّز صوت عبد الناصر صالح بنفوره الواضح من اللغة المطمئنة، ومن السرديات المكتملة. لم يكتب من موقع الضحية، ولا من موقع البطل، بل من موقع الكائن الواعي بتعقيده وتناقضه. لذلك جاءت لغته متقشّفة، دقيقة، مشدودة إلى المعنى، خالية من الزوائد البلاغية، وكأنها تعرف أن الإفراط في القول شكلٌ آخر من أشكال الهروب.

في هذا السياق، يمكن فهم شعره بوصفه مقاومة من نوع مختلف: مقاومة للاختزال، وللتكرار، ولتحويل التجربة الفلسطينية إلى مادة قابلة للاستهلاك الرمزي السريع. لم يكن معنيًا بسهولة التداول، بقدر ما كان معنيًا بدقة الإصابة. وهذا ما منح نصوصه قدرة نادرة على الاستمرار خارج زمنها المباشر، لا كوثائق وجدانية، بل كأدوات تفكير.

برحيله، لا نخسر شاعرًا فقط، بل نخسر معيارًا للكتابة المسؤولة؛ كتابة تدرك أن الجمال لا ينفصل عن الحقيقة، وأن اللغة إن لم تُختبر أخلاقيًا، تفقد قدرتها على الشهادة. ومع ذلك، فإن الأثر الذي تركه عبد الناصر صالح لا يُقاس بعدد القصائد، بل بنوع الأسئلة التي أبقاها مفتوحة، وبالطريقة التي اقترحها للكتابة بوصفها شكلًا من أشكال الوعي.

هكذا يغيب الشعراء الذين لا يراهنون على الخلود، بل على المعنى:
يتركون فراغًا يصعب ملؤه،
لكنهم يتركون، في المقابل، مقياسًا أعلى لما يمكن أن تكونه الكلمة.

--



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه


المزيد.....




- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي