أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - سأتزوج وطنًا














المزيد.....

سأتزوج وطنًا


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 23:41
المحور: الادب والفن
    


لم تكن تأتي إلى المقبرة لأنها لا تعرف أين تذهب، بل لأنها هنا فقط لا تُسأل: لماذا؟
كان صباح السبت قد صار موعدًا ثابتًا منذ غيابه، منذ ذلك اليوم الذي لم يُسمَّ موتًا، بل زُفَّ فيه عريسًا لعيون فلسطين. وقفت أمام الضريح كما تقف أمام فكرة لم تكتمل، لا تبكي، ولا تتظاهر بالقوة. كانت تكتفي بأن تكون.

جلست على الرخام البارد، أخرجت كتابًا من حقيبتها، وبدأت القراءة بصوتٍ منخفض. توقفت عند بعض الجمل، أعادت قراءتها، ثم سكتت، كأنها تنتظر ردًا. لم يكن الصمت هنا فراغًا، بل نوعًا آخر من الحوار، أقل قسوة من حوارات الأحياء.

أخرجت المسبحة.
حبات صغيرة من بذور الزيتون، داكنة، مصقولة بكثرة اللمس. هدية قديمة، لكنها الوحيدة التي لم تتحول إلى ذكرى. حين مررت أصابعها عليها، شعرت بذلك الإحساس المألوف: شيء يشبه الطمأنينة، لكنه لا يخلو من وجع. لم تكن تواسيها، بل تذكّرها بأن الصبر ليس قبولًا، وأن الثبات لا يعني التكلس.

فكرت أن هذه الزيارة قد تكون الأخيرة.
بعد أيام ستغادر إلى لندن. لم يكن القرار سهلًا، ولا رومانسيًا كما قد يبدو من الخارج. كان نتيجة تراكم طويل من الانكسارات الصغيرة، من الإشارات التي تقول لك بهدوء: لم يعد هذا المكان يتسع لك.

في بيتها، لم تعد تُرى.
كانوا يتحدثون عنها كما لو كانت احتمالًا مقلقًا. كل ما يميزها صار عبئًا: أسئلتها، صراحتها، رفضها للتماهي. كانوا يشككون في اتزانها، لا لأنها مختلة، بل لأنها لم تشبههم بما يكفي. في قاموسهم، الاختلاف خلل، والاستقلالية تهديد.

لم تستقر في وظيفة، رغم ما تحمله من شهادات وتجربة. قيل لها أكثر من مرة إنها «صعبة»، لأنها لا تجيد الانحناء، ولا تعرف كيف تُخفي رأيها عند الضرورة. لم يفهموا أن الضرورة، في كثير من الأحيان، هي اسم آخر للتنازل.

ثم جاء الرجل.
العريس الذي لم تختَره، والذي قُدِّم لها بوصفه حلًا. كان يتحدث عن المال كما لو كان لغة كونية، وعن المكانة كما لو كانت إذنًا بالسيطرة. لم يسألها عمّا تريد، لم يحتج لذلك. كان مقتنعًا أن الإصرار يكفي، وأن الزمن كفيل بتطويع أي امرأة تُترك طويلًا تحت الضغط.

قالت له بهدوء:
إنها لا ترغب بالزواج.
قالت ذلك مرة، ثم أخرى.
كان يسمع الكلمات، لكنه لا يعترف بمعناها.

في المطبخ، سمعت صوت أمها، خافتًا لكنه حاسم:
«لا تقلقي… ستوافق. الإلحاح يكسر كل شيء. الصبر مفتاح الفرج».

تساءلت، يومها، متى صار الكسر شرطًا للخلاص.

أغلقت الكتاب.
نهضت ببطء، نظرت إلى الاسم المحفور على الحجر، ولم تقل وداعًا. لم تؤمن يومًا بالنهايات الحاسمة. وضعت المسبحة في جيبها، وشدت معطفها.

كانت تعرف أنها لا تهرب.
كانت تنجو.

في طريقها إلى الخارج، شعرت بشيء يشبه السلام. سلام من يدرك أن الحياة لا تُعاش بالنيابة، وأن الحب، مثل الوطن، لا يُفرض، ولا يُشترى، ولا يُمنح مقابل الصمت.

قالت، بصوتٍ لا يسمعه أحد:
لي حياتي. لي اسمي. لي حقي في أن أكون.

ومضت.
وهي تعرف، بوضوح لا لبس فيه، أنها إن تزوجت يومًا، فلن يكون ذلك إلا من رجلٍ واحد…
رجل اسمه وطن.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى


المزيد.....




- زاك كريغر يخطط لأفلام الرعب على الآيفون قبل أن تبدأ الكاميرا ...
- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - سأتزوج وطنًا