أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي














المزيد.....

لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 20:49
المحور: قضايا ثقافية
    




أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يُخدع، بل أن يعتاد خيانة صوته الداخلي كي لا يخسر أحدًا.

في زمنٍ تُصاغ فيه السمعة كما تُصاغ الإعلانات، لم يعد الخطر في العداء المكشوف، بل في اللمعان المُتقَن. الصورة اليوم أبلغ من الحقيقة، والحضور قد يسبق الجوهر، والثقة تُمنح أحيانًا لمن يجيد العرض أكثر ممن يجيد الاتساق. نحن لا نعيش عصر المواجهات الواضحة، بل عصر الإقناع الهادئ.

ومع ذلك، ما زالت التربية تهمس بالوصايا القديمة:
كن طيبًا تُحَب.
صدّق تُطمئن.
ثق لتقترب.

لكنها نادرًا ما تضيف: افعل ذلك دون أن تتنازل عن نفسك.



ليست الطيبة فضيلة مطلقة؛ إنها قيمة مشروطة بالوعي.
فالطيبة التي لا يحرسها حدٌّ واضح تتحول إلى استنزافٍ صامت، واللطف الذي لا يسنده عقلٌ نقدي يصبح تنازلًا متكررًا عن الكرامة.

كثيرون يفرطون في الطيبة لا لأنهم أقوياء أخلاقيًا، بل لأنهم يخشون الرفض. يوافقون كي لا يُساء فهمهم، ويثقون كي لا يواجهوا الوحدة، ويصدقون لأنهم يحتاجون إلى أمانٍ سريع. هكذا تتحول الحاجة إلى عدسةٍ تُجمّل الواقع؛ فنرى ما نريد أن يكون، لا ما هو كائن.

وأول ما يُدفع ثمنه في هذه المعادلة هو وضوحنا تجاه أنفسنا.



المجتمع الحديث لا يبيعنا السلع فقط، بل يبيعنا الأشخاص.
تسويق الذات مهارة مركزية، وصناعة الصورة جزء من الحياة اليومية. الاسم اللامع، المنصب، عدد المتابعين، البلاغة، الثقة الظاهرة… إشارات تمنحنا يقينًا فوريًا. والعقل بطبيعته يميل إلى الاختصار؛ يلتقط الرمز ويمنحه وزن الحقيقة.

لكن الثقة ليست انبهارًا، والقيمة لا تُقاس بشدة الضوء المسلّط عليها.

التجارب تُظهر أن الظهور لا يضمن العمق، وأن البريق قد يكون انعكاسًا لا مصدرًا. ما يصمد حقًا هو الاتساق: أن تتطابق الكلمات مع الأفعال حين يغيب التصفيق.

المشكلة ليست في أن نثق، بل في أن نخلط بين الظهور والجوهر.



على المستوى النفسي، الحدس ليس نزوةً عاطفية، بل أداة إدراك.
ذلك الانقباض الخفيف حين لا تتطابق التفاصيل، ذلك التردد الذي لا يجد تفسيرًا مباشرًا… هو خلاصة خبرات متراكمة يعمل عليها العقل في مستوى أعمق من التحليل الواعي.

لكننا كثيرًا ما نُسكت هذا الصوت.
نقمعه باسم حسن الظن، أو خشية أن نبدو حذرين أكثر مما ينبغي. نفضّل الاطمئنان السريع على الدقة البطيئة.

وحين نُخمد إشاراتنا الداخلية مرارًا، لا نخسر الموقف فقط، بل نخسر ثقتنا بقدرتنا على التمييز.



الثقة قرار أخلاقي ومعرفي، لا عاطفة عابرة.
أن تثق يعني أن تمنح جزءًا من أمانك للآخر، وهذا لا يُتخذ ارتجالًا. الثقة تُبنى على الاتساق عبر الزمن؛ على مواقف صغيرة متكررة تثبت أن القول لا ينفصل عن الفعل. أما الثقة التي تولد من بريق اللحظة، فغالبًا ما تذبل عند أول تضارب.

في زمن التضخيم الرقمي، يصبح الحذر فضيلة معرفية، لا سوء ظن. ويغدو التفكير النقدي احترامًا للذات، لا تشكيكًا عدائيًا في الآخرين.



غير أن الوعي لا يعني القسوة، كما أن الحذر لا يعني الانغلاق.
الريبة الدائمة استنزاف آخر، والشكّ المرضي سجن. المطلوب ليس خصومة مع العالم، بل يقظة تجاهه.

أن نكون طيبين من موقع قوة، لا من موقع خوف.
أن نقول “لا” حين تُنتهك حدودنا، دون شعورٍ بالذنب.
أن نمنح الثقة بعد اختبار، لا قبل انبهار.

الحدود ليست جدارًا يعزلنا، بل إطارًا يحفظ شكلنا. من لا يملك حدوده يذوب في توقعات الآخرين، ومن يذُب طويلًا يفقد ملامحه دون أن يشعر.



الثقة بالنفس ليست ادعاء العصمة، بل استعداد لتحمّل النتائج.
أن أختار، ثم أتحمّل.
أن أُخطئ، ثم أتعلم.
أن أراجع نفسي دون أن أعلّق مسؤوليتي على بريق أحد.

الإنسان الذي يثق بنفسه لا يحتاج إلى استعارة قيمةٍ من اسمٍ لامع، ولا إلى الاحتماء بجماعة كي يشعر باليقين. الأمان الحقيقي لا يأتي من تصفيق الخارج، بل من انسجام الداخل.



في النهاية، المسألة ليست أخلاقية فحسب؛ إنها وجودية.
إما أن تعيش كما يُنتظر منك، أو كما يمليه وعيك عليك.
إما أن تحافظ على صورتك في أعين الآخرين، أو على صورتك في مرآتك أنت.

الطيبة ليست أن تُرضي الجميع، بل أن لا تخون نفسك.
والثقة ليست أن تُسلِّم قلبك سريعًا، بل أن تضعه حيث يستحق.

في عالمٍ يلمع أكثر مما يضيء،
ليست الحكمة أن تنبهر بكل بريق،
ولا أن تنطفئ كي تنسجم مع العتمة.

الحكمة أن تميّز، بهدوءٍ ووعي،
بين الضوء الحقيقي…
والانعكاس



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...


المزيد.....




- نتنياهو يحث ترامب على توسيع المفاوضات مع إيران لتشمل الصواري ...
- انتقادات لحسن شاكوش بعد هجومه على -فتاة الأتوبيس-
- نتنياهو: أي اتفاق مع إيران يجب أن يشمل قيوداً على صواريخها و ...
- فصلٌ خطيرٌ جديد من ملف إبستين: هوسٌ بالتعديل الجيني وخططٌ لإ ...
- إطلاق الصاروخ الأوروبي الأقوى -آريان 64- محمّلًا بأقمار صناع ...
- واشنطن لبغداد: الحكومة يجب أن تكون مستقلة.. ورسالة حازمة بشأ ...
- أخبار اليوم: إسرائيل تناشد الإيرانيين التعاون مع الجيش و-الم ...
- إيطالي يلقي 20 سبيكة ذهب في القمامة وتعود إليه بمعجزة
- تكريم يعكس روح الجمهورية الجديدة.. تقدير العطاء نهج وطني أصي ...
- عن مشروع -على خطاه-... تكريم تركي آل الشيخ بجائزة مكة للتميز ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي