أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - المواطنة ليست امتحانًا














المزيد.....

المواطنة ليست امتحانًا


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 16:17
المحور: قضايا ثقافية
    


في كل مرة تتوتر فيها البلاد، يتبدل شيء خفي.

لا في القوانين، ولا في النصوص الرسمية، بل في المناخ. فجأة، تصبح الكلمات محسوبة أكثر، ويغدو الصمت نفسه قابلاً للتأويل.



هناك سؤال لا يُطرح بصيغة مباشرة، لكنه يحضر في الخلفية:

أين تقف؟



لا أحد يعلن الامتحان.

لكن الفلسطيني في الداخل يعرف أن لحظة الاختبار قد عادت.

المواطنة، في معناها المستقر، ليست موقفًا ظرفيًا.

هي ليست بيانًا يُصدر في ساعة أزمة، ولا شهادة حسن سلوك تُجدَّد كلما تبدلت العناوين.

المواطنة شعور بالاطمئنان المتبادل: أن وجودك ليس موضوع شك، وأن انتماءك لا يحتاج إلى إثبات دوري.



غير أن التجربة اليومية للفلسطيني في الداخل تكشف صيغة أكثر هشاشة.

في الأيام العادية، هو مواطن كامل التفاصيل: يعمل، يدرس، يدفع الضرائب، يشارك في الاقتصاد، ويحمل عبء الحياة مثل غيره.

لكن في اللحظة السياسية المتوترة، يتحول إلى سؤال.



المشكلة ليست في النصوص القانونية، بل في ما يتكوّن حولها.

مناخ غير مكتوب يُفترض فيه أن على مواطن بعينه أن يشرح أكثر، أن يوضح أكثر، أن يثبت اعتداله أكثر من غيره.



وهنا يبدأ الخلل.

شهد المجتمع العربي في الداخل تحولات عميقة: اتساع في التعليم العالي، حضور مهني لافت، طبقة وسطى صاعدة، مساهمة حقيقية في مجالات الطب والهندسة والأكاديميا وسوق العمل.

هذه ليست إنجازات هامشية، بل تعبير عن قدرة مجتمع على إعادة بناء نفسه داخل شروط معقدة.



لكن الاعتراف بالفرد لا يوازي اعترافًا كاملًا بالجماعة.



يمكن الاحتفاء بالنجاح الفردي،

لكن حين تُستدعى الهوية الجمعية وسرديتها، يتبدل المزاج.



الفرد مرحّب به ما دام منفصلًا عن سياقه الجماعي.

أما الجماعة، فتظل محاطة بتحفظ دائم.

حين يصبح الهدوء موضع قراءة،

والكلام قابلاً لسوء التأويل،

والصمت علامة قابلة للاتهام،

فإن المواطنة لم تبلغ بعد درجة الاستقرار.



المواطنة التي تحتاج إلى امتحان متكرر ليست مكتملة، حتى لو كانت محصّنة بالقانون.

الفلسطيني في الداخل يعيش بين فضاءين لا يلتقيان بالكامل.

ينتمي إلى دولة يحمل جنسيتها ويشارك في مؤسساتها، لكنه لا يذوب في روايتها النهائية.

وينتمي إلى شعب يتقاسم معه الذاكرة واللغة، لكنه يعيش خارج إطاره السيادي.



هذا الوجود المركّب لا ينتج ضعفًا، بل وعيًا حذرًا.

وعيًا يعرف أن لكل كلمة وزنًا، ولكل موقف تبعات.

لكن هذا الوعي نفسه يحمل إرهاقًا صامتًا: إرهاق إدارة التناقض.



ليست المشكلة أن الفلسطيني يتحمّل.

بل أن تحمّله يُعامل كأمر بديهي.

وليست أنه يوازن بين انتماءاته،

بل أن هذا التوازن مطلوب منه وحده على الدوام.

حين تُختزل المواطنة في الاندماج الاقتصادي، تتحول العدالة إلى ملف فرص.

لكن المواطنة ليست وظيفة، ولا مجرد مشاركة في السوق.

هي اعتراف متبادل بالندية.



والندية لا تعني إنكار تعريف الدولة لنفسها،

بل تعني الاعتراف بأن في داخلها جماعة أصيلة لا تحتاج إلى تبرير وجودها عند كل أزمة.

الدول المستقرة لا تبني ثقتها على امتحانات دورية للانتماء.

ولا على افتراض أن طرفًا واحدًا هو الأكثر مطالبة بالشرح.



المواطنة الحقيقية تُقاس بسؤال بسيط:

هل يشعر المواطن أن مكانته ثابتة حتى حين يختلف؟

هل يستطيع أن يكون جزءًا من الدولة دون أن يُطلب منه أن يُخفف من تعريفه لذاته؟



إذا بقيت المواطنة حالة اختبار،

فإن الثقة ستبقى معلّقة.

وإذا بقي الاعتراف جزئيًا،

فإن الاستقرار سيبقى هشًا مهما بدا صلبًا.



المواطنة ليست امتحانًا.

إما أن تكون اعترافًا متبادلًا غير مشروط،

وإما أن تبقى إدارة مؤقتة لتوتر مؤجل.



والتوترات المؤجلة لا تختفي.

إنها تنتظر لحظة أخرى.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفرد المقبول والجماعة المؤجَّلة
- العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...


المزيد.....




- فيديو منسوب إلى -ضربات سعودية على حضرموت مؤخرًا-.. ما حقيقته ...
- جولة جديدة من المحادثات بين أمريكا وإيران وسط تصريحات متشائم ...
- بعد ورود اسمه في وثائق إبستين.. موانئ دبي العالمية تستبدل ر ...
- نبرة واشنطن التصالحية مع أوروبا .. بين الترحيب الحذر والتشكي ...
- عيد الحب .. ما قصته وأصل تسميته ؟
- افريقيا : نزاعات وصراعات وتدخل خارجي يُغذي انعدام الإستقرار ...
- فرنسا: النيابة العامة تشكل فريقا خاصا للنظر في وثائق إبستين ...
- فتح وحماس: الاحتلال يعرقل لجنة إدارة غزة وتنفيذ خطة ترمب
- التوتر بين أمريكا وإيران هل يمنح إسرائيل غطاء لإعادة رسم الض ...
- غزة والضفة الغربية في مرمى التصعيد الأمريكي الإيراني


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - المواطنة ليست امتحانًا