أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة














المزيد.....

حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 08:24
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست أخطر ما يواجه مجتمعاتنا الحروب ولا الأزمات الاقتصادية، بل ذلك الانهيار الصامت الذي يصيب العلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين المواطن والدولة: تآكل الثقة.
فالأنظمة قد تهتزّ وتُصلَح، والاقتصادات قد تتعثر وتنهض، لكن المجتمع الذي يفقد ثقته يفقد قبل كلّ شيء معناه.

الثقة ليست عاطفة طيبة ولا خُلُقًا فرديًا، بل هي البنية التحتية غير المرئية للحياة العامة. هي ما يجعل القانون إطارًا مشتركًا لا أداة خوف، ويجعل الاختلاف مساحة حوار لا ساحة تخوين. هي الرصيد الرمزي الذي يسمح للمواطن أن يقبل الخسارة الانتخابية دون أن يشعر بأن الوطن سُلب منه، وأن يعارض دون أن يُصنَّف خصمًا وجوديًا.

حين تتآكل هذه الثقة، لا يحدث الانهيار فجأة. يحدث على شكل شقوق صغيرة في الجدار: قرار لا يُشرح، وعد لا يتحقق، خطاب يعلو فيه الاتهام على البرهان. تتراكم الشقوق حتى يصبح الشكّ هو اللغة المشتركة. لا يعود السؤال: ما الذي يحدث؟ بل: ماذا يُخفى عنا؟ وهنا تبدأ السياسة في فقدان بعدها المدني، لتتحول إلى إدارةٍ للريبة.

في المجال العربي، تتخذ الأزمة أبعادًا مضاعفة. فالمجال العام في كثير من السياقات ليس مفتوحًا بما يكفي لتداول المعنى، ولا مغلقًا تمامًا بحيث يُحسم الصمت. إنه فضاء رمادي، تُقال فيه الأشياء بنصف صوت، وتُفهم بإشارات، ويُعاد تأويلها على المنصات. في هذا الفراغ، لا تنمو الحقيقة، بل تنمو الروايات. وكلّ رواية لا تجد من يفنّدها أو يشرحها تتحول إلى يقينٍ بديل.

لكن الأزمة لا تقتصر على العلاقة بين الدولة والمجتمع. إنها تمتد إلى النسيج الاجتماعي ذاته. حين يصبح الاختلاف في الرأي السياسي سببًا للقطيعة، وحين يُختزل الإنسان في موقفه، يتراجع مفهوم المواطنة لصالح مفهوم المعسكر. ينقسم الناس لا وفق برامج أو رؤى، بل وفق ثنائيات حادّة: معنا أو ضدنا. وفي هذه الثنائية، لا مكان للثقة؛ لأن الثقة تفترض الاعتراف بالآخر شريكًا في الوطن، لا خطرًا عليه.

نفسيًا، يُنتج هذا المناخ مواطنًا حذرًا، لا مواطنًا فاعلًا. يعيش في حالة دفاع دائم، يزن كلماته، يتفادى التصريح، ويختار الصمت أحيانًا على المواجهة. ومع تراكم هذا الحذر، يتحول المجال العام إلى مساحة ضيقة، لا لأن القانون يمنعه بالضرورة، بل لأن الخوف الداخلي يتقدّم عليه. وحين يُستبطن الخوف، تصبح الرقابة ذاتية، ويغدو الصمت فضيلة بقاء.

غير أنّ أخطر ما في تآكل الثقة أنه يضرب فكرة الإصلاح من جذورها. فالإصلاح يفترض إيمانًا بأن النظام قابل للتعديل، وأن الصوت يُحدث فرقًا، وأن المشاركة ليست عبثًا. أما حين يترسخ الاعتقاد بأن كلّ شيء محسوم سلفًا، وأن كلّ مبادرة واجهة، يتحول النقد إلى تذمّر، والاحتجاج إلى تنفيس، والمشاركة إلى طقس بلا أثر. هنا لا يسقط النظام بالضرورة، لكن يسقط المعنى الذي يبرر وجوده.

الثقة لا تُستعاد بخطاب مطمئن، ولا بحملة علاقات عامة. إنها تُبنى عبر الشفافية حين تكون مكلفة، وعبر الاعتراف بالخطأ حين يكون أسهل إنكاره، وعبر فتح المجال العام للنقاش لا لتصنيف المتكلمين. تُبنى حين يشعر المواطن أن الدولة لا تخشاه، ولا تخافه، بل تراه شريكًا في صياغة مصيره.

لسنا بحاجة إلى يقين مطلق؛ فاليقين المطلق غالبًا ما يكون مقدمة للاستبداد. لكننا بحاجة إلى حدّ أدنى من الاطمئنان المتبادل، يجعل الاختلاف ممكنًا دون أن يتحول إلى خصومة وجودية. فالدولة التي لا يثق بها مواطنوها، والمجتمع الذي لا يثق أفراده ببعضهم، يظلان قائمين شكليًا، لكنهما فارغان من الروح.

المجتمعات لا تسقط فقط حين تُهزم، بل حين تكفّ عن الإيمان بنفسها.
وحين تصبح الريبة وطنًا نفسيًا، يعيش فيه الجميع خلف أسوار غير مرئية، لا تعود الأزمة في قرارٍ سياسي أو في أزمة عابرة، بل في فقدان القدرة على تصديق فكرة العيش المشترك.

عندها، لا يكون السؤال من يحكم، بل لماذا نعيش معًا أصلاً.
وتلك، قبل أيّ انهيار آخر، هي لحظة الخطر الحقيقي



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر
- في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، ...
- الخطأ البشري
- المواطنة غير المشروطة أفق ممكن أم تناقض بنيوي؟
- المواطنة ليست امتحانًا
- الفرد المقبول والجماعة المؤجَّلة
- العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح


المزيد.....




- معرض يكشف كيف كانت الصور -تخدعنا- قبل ظهور الذكاء الاصطناعي ...
- زيلينسكي: الشعب الأوكراني سيرفض أي اتفاق سلام يتضمن الانسحاب ...
- من مستورد إلى مُصنِّع.. دول الخليج تتجه نحو الاستثمار في الص ...
- رمضان فلسطيني مثقل بالتصعيد: قصف في غزة.. وقيود أمنية في الض ...
- خلف أبواب التفاوض: ما الصفقة التي تطرحها طهران على إدارة ترا ...
- في رمضان والصيف.. هكذا تحمين بشرتك من الجفاف!
- DW تتحقق: صور وفيديوهات مزيفة مولدة بالذكاء الاصطناعي عن إبس ...
- عاجل | هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر: استنفار واسع بالقدس ف ...
- تقدم حذِر في محادثات جنيف بين روسيا وأوكرانيا وسط تصعيد ميدا ...
- بعد اصطدامها بكومة ترابية.. شاهد شاحنة تحلق في الهواء وتقتحم ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رانية مرجية - حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة