أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، بل تفكيكٌ لوهمِ الاكتمال














المزيد.....

في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، بل تفكيكٌ لوهمِ الاكتمال


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 14:06
المحور: الادب والفن
    


ليس صومُ الأربعين قبل الفصح برنامجَ تقشّفٍ روحيّ،
ولا استراحةَ ضميرٍ موسميّة.
إنّه تمرينٌ على تفكيكِ الذات،
كي لا تدخلَ القيامةَ مثقلةً
بما لا يُقام.

الأربعونُ في الذاكرة الكتابيّة ليست رقمًا،
بل زمنَ إعادةِ صياغة.
في سفر التكوين
انهمر المطرُ أربعين يومًا،
لا ليُغرقَ الأرضَ فقط،
بل ليُعلنَ أن الفسادَ حين يستشري
يحتاجُ إلى غسلٍ كاملٍ للمعنى.

وفي سفر الخروج
امتدّت البرّيّة أربعين سنة،
لا لأن الطريقَ كان مجهولًا،
بل لأن الحريةَ لا تُعطى دفعةً واحدة،
بل تُنحتُ ببطءٍ
من صخرِ العبوديّة الكامن في الداخل.

صومُ الفصح ينقلُ هذه الأربعين من التاريخ إلى الجسد.
لا برّيّةَ خارجنا،
بل صحراءُ الذات
حين تُسحبُ منها الزينة،
ويُتركُ القلبُ بلا مرايا.

حين دخلَ المسيحُ البرّيّة،
كما يروي إنجيل متى،
لم يُجرَّب بالجوع وحده،
بل بإغراءِ الاختصار:
أن يصيرَ الخبزُ غاية،
والمشهدُ برهانًا،
والسلطةُ بديلًا عن الصليب.

الإغراءُ ذاته يحاصرُ عالمَنا:
اختصر الطريق.
ارفع صوتك.
أثبت نفسك.

لكنّ الصومَ الفصحيّ هو قرارُ البطء.
والبطءُ اليومَ ليس ضعفًا… بل مقاومة.

أن تمتنعَ عن المشاركة في فائضِ الضجيج.
أن لا تتحوّلَ إلى نسخةٍ أكثر حدّةً مما تنتقده.
أن تترك مساحةً للصمت
كي لا يُختنق اللهُ في كثافة أصواتنا.

نحن لا نصومُ عن الطعام فقط،
بل عن وهمِ الامتلاء.
عن الحاجةِ الدائمة إلى أن نكون على حق.
عن اليقينِ المغلق
الذي يضعُ اللهَ في الهامش
والذاتَ في المركز.

في ظلِّ الجلجلة
يتبدّلُ تعريفُ القوّة.
هناك لم يكن الصليبُ استعراضًا،
بل عريًا كاملًا أمام الحقيقة.
المحبّةُ التي لم تدافع عن نفسها
كانت أقوى
من كلِّ خطابٍ دفاعي.

الأربعونُ يومًا ليست حزنًا،
بل شجاعةَ النقص.
أن نتخفّفَ من صورتنا كي نستعيدَ وجهنا.
أن نتخفّفَ من خطابنا كي نصغي.
أن نتخفّفَ من يقيننا كي نؤمن.

الفصحُ لا يبدأ حين يُدحرَج الحجر،
بل حين نجرؤُ نحن
أن نضع أحجارَنا جانبًا:
حجرَ التعالي،
حجرَ الغضب،
حجرَ الخوف من الهشاشة.

القيامةُ ليست ضوءًا خارجيًا مفاجئًا،
بل خفّةً داخلية
تولد في قلبٍ
تعلّم أن يخسر ما ليس ضروريًا.

ذلك هو صومُ الأربعين قبل الفصح:
أن نختار النقصَ في زمنِ التكديس،
والبطءَ في زمنِ اللهاث،
والعمقَ في زمنِ السطح.

لأن القيامة، في جوهرها،
ليست انتصارًا على الآخرين،
بل انتصارًا على ذلك الصوت الداخلي
الذي أقنعنا طويلًا
أننا مكتملون.

أما الفصح الحقيقي،
فهو أن نكتشف — متأخرين أو في الوقت المناسب —
أن الله لم يكن ينتظر كمالنا،
بل شجاعتنا أن نعترف
بأننا بحاجةٍ إليه.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخطأ البشري
- المواطنة غير المشروطة أفق ممكن أم تناقض بنيوي؟
- المواطنة ليست امتحانًا
- الفرد المقبول والجماعة المؤجَّلة
- العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية
- الشعر حين يتحوّل إلى ممارسة وعي
- سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...


المزيد.....




- قبل عرض -حمدية - هيئة الإعلام تناقش المحددات الفنية والمهنية ...
- الفيلم الكوري -حتى لو اختفى هذا الحب من العالم الليلة-.. الق ...
- فنانون عالميون يقفون مع ألبانيزي: نرفض الضغط على من يكشف إبا ...
- جلود فاخرة وألوان جريئة.. هيفاء وهبي تتألق في كليبها الجديد ...
- بسبب غزة.. القضاء الإيرلندي يبدأ محاكمة فنانة عطلت طائرات أم ...
- -للدفاع عن صورة المكسيك-.. سلمى حايك تنتج فيلما سينمائيا
- لوحة فنية للشاعر السياب بريشة الفنان سلام جبار
- برليناله يشعل نقاشا عالمياً حول دور الفنانين في السياسة
- المثقفون في الثقب الأسود بسبب فضيحة إبستين
- -هل يمكن ترجمة هذا الحب؟-.. نجاح مدوٍ وانقسام حاد في ردود ال ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، بل تفكيكٌ لوهمِ الاكتمال