أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما لا يغتفره الجسد














المزيد.....

ما لا يغتفره الجسد


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 20:58
المحور: الادب والفن
    


لم يكن سقوطه هو ما يحرجه.
السقوط فعلٌ قصير.
الفضيحة أطول.

الفضيحة هي تلك الثواني التي يستعيد فيها وعيه، فيرى الوجوه فوقه:
متراجعة قليلًا،
حذرة،
كأن جسده كشف سرًا لا يخصّه وحده.

كان يعرف الإشارة.
قبل النوبة بلحظات، يتغيّر كل شيء بدرجة لا يلاحظها سواه.
الضوء يشتدّ.
الصوت يصير بعيدًا.
رائحة معدنية خفيفة، كأن شيئًا داخليًا يسخن أكثر من اللازم.

ثم يتركه الجسد.

لا ألم حقيقي.
فقط انفصال.
كأن الخيوط التي تشدّه إلى الأرض تقرر أن تستريح.

في المدرسة، لم يضحكوا كثيرًا.
لم يحتاجوا.
كان يكفي أن يفسحوا له الطريق حين يسقط.

وضعوه قرب الباب.
احتياطًا.

تعلّم مبكرًا أن يراقب نفسه من الخارج.
أن يقف داخل جسده كما يقف شاهد في قاعة محكمة.
يسجّل الارتعاش،
يحاول تأجيله،
كأن الإرادة يمكن أن تقنع الكهرباء بالهدوء.

كبر وهو يحمل شكًا لا يفارقه:
هل أنا خللٌ عابر…
أم خطأ في التصميم؟

الرسم لم يكن شغفًا.
كان وسيلة لتفريغ ما لا يُحتمل.

بعد كل نوبة، تبقى في رأسه صور متكسّرة.
وجوه بلا ملامح.
أجساد يتسرّب منها الضوء عبر شقوق دقيقة.
أيدٍ ممدودة لا تصل.

كان يرسم بسرعة، كأن شيئًا يطارده.
الخطوط مرتجفة، غير مستقيمة، لكنها صادقة حدّ الفجاجة.

قالوا لاحقًا إن في أعماله “توترًا جميلًا”.
لم يعرف أن التوتر يمكن أن يكون جميلًا.

تعرفت إليه ليلى أمام لوحة لرجلٍ واقف بثبات،
وظلّه على الأرض يرتجف بعنف.

قالت:
“الظلّ أكثر شجاعة. هو لا يتظاهر.”

أعجبته الجملة لأنها لم تشبه تعزية.
لم تقل إنه مميز.
لم تقل إنه ضحية.
رأت شيئًا وسمّته.

أخبرها عن النوبات لاحقًا، بلا بطولة.
استمعت دون شفقة.

لكنه في إحدى الليالي، حين سقط بين يديها، رأى في عينيها ما لم يكن مستعدًا لرؤيته:
الخوف.

لم تصرخ.
لم تهرب.
لكن يديها ارتجفتا قليلًا قبل أن تخفيهما خلف ظهرها.

تلك الحركة الصغيرة كانت أقسى من أي تشخيص.
فهم عندها أن الحب لا يلغِي القلق،
وأن الجسد الذي يفلت منك قد يفلت من الآخرين أيضًا.

لم يعاتبها.
ولم تعتذر.

بينهما، بقيت مسافة رفيعة،
لا تُرى… لكنها لا تُردم.

في معرضه الأكبر، امتلأت القاعة.
كاميرات، ضوء، ضحكات منخفضة.

وقف قرب لوحته الجديدة:
جسد بلا وجه واضح،
وفي داخله صدع طويل، دقيق، من الرأس حتى القدم.

شعر بالإشارة.

الرائحة.
الضوء القاسي.
الفراغ الذي يسبق الانقطاع.

حاول أن يتحرك.
لم يستطع.

سقط في منتصف القاعة.

لم يكن هناك ركن يختبئ فيه.
الارتجاف كان كاملًا، عاريًا،
لا يمكن تأويله على أنه فن.

صمت.

حين عاد إليه وعيه، كان على الأرض.
السقف أبيض.
الوجوه دائرة ضيقة فوقه.

رأى في أعينهم شيئًا جديدًا:
ليس الشفقة،
بل إدراكًا مفاجئًا بأن أجسادهم قد تخونهم أيضًا.

نهض ببطء.
جسده لا يزال يرتجف.

أحدهم همس: “هل أنت بخير؟”

تأمل السؤال لحظة.
ثم قال:
“لا أعرف. لكنني موجود.”

لم يعتذر.
لم يبتسم.

ترك الارتجاف يحدث.

بعد أن غادر الجميع، بقي وحده في القاعة.

الأضواء خافتة.
اللوحات معلّقة كأنها تراقبه.

جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط.
مدّ يده أمامه.
كانت ترتجف.

لطالما حاول أن يثبّتها.
أن يضغط أصابعه بقوة،
أن يقنعها بالصمت.

هذه المرة، لم يفعل شيئًا.

تركها تتحرك كما تشاء.

فهم أخيرًا أن المشكلة لم تكن في السقوط،
بل في الإصرار على أن يبدو واقفًا دائمًا.

فهم أن الجنون ليس في الخلل،
بل في عالمٍ يقدّس السيطرة،
ويخجل من كل ما يفضح هشاشته.

رفع عينيه إلى لوحته:
الرجل ثابت،
وظلّه يرتجف.

ابتسم ابتسامة صغيرة، متعبة.

للمرة الأولى،
لم يعد يريد أن يكون الرجل.

اختار أن يكون الظل.

وفي الخارج،
كانت المدينة تمشي بثباتها الواثق،
غير مدركة أن تحت جلدها
ترتجف أشياء كثيرة
في صمت.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي
- حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر
- في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، ...
- الخطأ البشري
- المواطنة غير المشروطة أفق ممكن أم تناقض بنيوي؟
- المواطنة ليست امتحانًا
- الفرد المقبول والجماعة المؤجَّلة
- العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...


المزيد.....




- غزة تُربك مهرجان برلين السينمائى.. انقسام حول تبنى المهرجانا ...
- في اليوم العالمي للغة الأم.. مستقبل العربية بعيون أربع خبراء ...
- ثورة موسيقية عربية.. ليريا 3 يمنح جيميناي القدرة على التلحين ...
- بنموسى.. مقرئ سكن ذاكرة المغرب وطرّز القرآن بمزامير الأندلس ...
- السجادة الحمراء.. استُخدمت لأول مرة قبل حفل جوائز الأوسكار ب ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- بلاغة الحجاج في مرايا السياسة: قراءة في كتاب الدكتور علي الم ...
- حكاية مسجد.. -الصفاح- بالأغواط أراده الاستعمار كنيسة وفرضه ا ...
- احتلال فلسطين ووقائع القمع والدمار الذى لحق بغزة فى رواية جد ...
- قلة الأعمال الكبرى وتخمة الحلقات القصيرة.. نقيب الفنانين يحذ ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما لا يغتفره الجسد