أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة - رانية مرجية - عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة














المزيد.....

عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 19:59
المحور: حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة
    


في كل عصر، تُعاد صياغة معنى الإنسان بما يتوافق مع روح زمنه.
كان التفوق الجسدي معيار السيادة، ثم أصبح الإنتاج معيار القيمة، أما اليوم فقد صارت الكفاءة العقلية — سرعة التحليل، دقة القرار، القدرة على المنافسة — العملة الأكثر رواجًا في اقتصاد الاعتراف.

غير أن الخطر لا يكمن في تقدير الكفاءة،
بل في تحويلها إلى شرطٍ ضمني للكرامة.

ذوو الإعاقات الذهنية التطورية يقفون في قلب هذا السؤال الأخلاقي.
فهم لا يتحدّون قدرات المجتمع بقدر ما يتحدّون تعريفه للإنسان.
ليس لأنهم خارج القيمة،
بل لأن المعيار ذاته ضيّق.

حين تُربط الكرامة بالقدرة،
يصبح الاعتراف امتيازًا لا حقًا.
نمنح الاحترام بقدر ما يتحقق الإنجاز،
ونوزّع القبول وفق درجات التفوق،
وكأن الإنسان مشروع أداء مستمر.

لكن الكرامة — إن كانت مشروطة — تفقد معناها.

إن الدفاع عن ذوي الإعاقات الذهنية التطورية ليس دفاعًا عن فئة،
بل دفاع عن فكرة غير قابلة للتجزئة:
أن قيمة الإنسان سابقة على قدراته.

فالإنسان ليس رقمًا في تقرير،
ولا وظيفةً في نظام إنتاج،
ولا عقلًا يُقاس بسرعته.
إنه كائن ذو قيمة لأنه موجود.

وإذا كانت القدرات تتفاوت،
فالكرامة لا تتفاوت.

ومع ذلك، تميل المجتمعات الحديثة — في ظل تقديس الأداء — إلى أحد مسارين:
إما الإقصاء الصامت،
أو الشفقة المبطّنة.

الإقصاء يُعلن أن المختلف عبء.
والشفقة تُبقي العلاقة عمودية: قويّ يمنح، وضعيف يتلقى.
أما العدالة، فتعني الاعتراف المتساوي دون افتراض نقصٍ أو تفوق.

ثمة افتراض خفي في كثير من خطابات “الدمج”:
أن المختلف ينبغي أن يقترب قدر الإمكان من النموذج السائد.
أن يُثبت قابليته للانخراط،
أن يبرهن على إنتاجيته،
أن يُطمئن المجتمع بأنه لن يُبطئ إيقاعه.

لكن ماذا لو لم تكن المشكلة في بطء التعلم،
بل في عبادة السرعة؟

المجتمع الذي لا يستطيع إعادة تعريف النجاح خارج منطق المنافسة،
ولا الاعتراف بأشكال أخرى من الحضور الإنساني،
هو مجتمع متقدم تقنيًا، لكنه لم يحسم أمره أخلاقيًا.

فالاختلاف لا يهدد النظام،
بل يكشف هشاشته حين يعجز عن استيعابه.

الأخطر من ذلك أن ربط الكرامة بالقدرة لا يتوقف عند حدود الإعاقة.
فاليوم يُقصى الأبطأ،
وغدًا يُهمّش الأضعف،
ثم يُستبعد المختلف فكريًا أو ثقافيًا،
إلى أن يصبح الاعتراف الإنساني ذاته امتيازًا قابلًا للسحب.

لهذا، فإن القضية ليست مسألة تعاطف،
ولا سياسات تحسين شروط الحياة فحسب،
بل مسألة تعريف جذري.

إما أن تكون الكرامة حقًا غير مشروط،
وإما أن تتحول إلى مكافأة يمنحها الأقوى.

وفي هذا الاختيار الصامت
يتحدد شكل العالم الذي نبنيه.

فالمجتمع الذي لا يتسع لأضعف أفراده،
لن يتسع — في نهاية المطاف — لأحد.

وذوو الإعاقات الذهنية التطورية
ليسوا هامش النص الإنساني،
بل حدّه الفاصل.

وعند هذا الحد،
يُختبر ضميرنا.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي
- حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر
- في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، ...
- الخطأ البشري
- المواطنة غير المشروطة أفق ممكن أم تناقض بنيوي؟
- المواطنة ليست امتحانًا
- الفرد المقبول والجماعة المؤجَّلة
- العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24
- وعي المستقبل ورسالة المثقف: من سؤال الزمن إلى حراسة المعنى
- النسخة الواحدة : عنفٌ غير معلن ضد النساء
- ما تبقّى من الصمت
- سأتزوج وطنًا
- في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة
- عامٌ على رحيل أمي
- الجدارة في زمن العلاقات قراءة نقديّة في قصّة “في هاوية الأمل ...
- في أخلاقيات القطيعة: حين يصبح الانسحاب ضرورة إنسانية


المزيد.....




- مراسلة CNN تقرأ بيانًا من الملك تشارلز الثالث عقب اعتقال شقي ...
- الأمم المتحدة تتّهم إسرائل بارتكاب -تطهير عرقي- في غزة والضف ...
- ما هو مجلس السلام الذي يرأسه ترامب... وهل يقضي على دور الأمم ...
- -القانون يجب أن يأخذ مجراه-.. أول تعليق لملك بريطانيا على اع ...
- شهادات: خطة إسبانيا للهجرة تمثل -طوق نجاة- لمهاجرين غير نظام ...
- القيصر: لماذا أثار المسلسل انتقادات لدى عائلات المعتقلين في ...
- تحرك جديد من ريال مدريد في مزاعم العنصرية ضد فينيسيوس
- -العدالة يجب أن تأخذ مجراها-.. اعتقال شقيق ملك بريطانيا الأم ...
- إدارة ترمب توسع صلاحيات سلطات الهجرة لاحتجاز اللاجئين
- ملك بريطانيا يعلق على اعتقال شقيقه آندرو: يجب أن يأخذ القانو ...


المزيد.....

- الإعاقة والاتحاد السوفياتي: التقدم والتراجع / كيث روزينثال
- اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة / الأمم المتحدة
- المعوقون في العراق -1- / لطيف الحبيب
- التوافق النفسي الاجتماعي لدى التلاميذ الماعقين جسمياً / مصطفى ساهي
- ثمتلات الجسد عند الفتاة المعاقة جسديا:دراسة استطلاعية للمنتم ... / شكري عبدالديم
- كتاب - تاملاتي الفكرية كانسان معاق / المهدي مالك
- فرص العمل وطاقات التوحدي اليافع / لطيف الحبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة - رانية مرجية - عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة