أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم














المزيد.....

حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 15:03
المحور: المجتمع المدني
    


ليس السؤال: متى ينتهي العالم؟
السؤال الأدق: ماذا نعني حين نقول “العالم”؟

نحن لا نرتعب من اصطدام كويكب، ولا من برودة شمسٍ بعيدة في مستقبلٍ لا ندركه. ما يربكنا حقًا هو احتمال أن نستيقظ يومًا فنكتشف أن المعنى تسرّب من الأشياء، وأن الحياة، بكل صخبها، صارت خفيفة إلى حد التفاهة. إن هوسنا المعاصر بفكرة النهاية ليس قلقًا كونيًا خالصًا، بل توترًا أخلاقيًا مكبوتًا. نحن نبحث عن نهايةٍ عظيمة كي لا نواجه الأسئلة الصغيرة التي أهملناها طويلًا.

في السينما، في نشرات الأخبار، في خطاب السياسة، في نظريات المؤامرة—النهاية مشهد.
والمشهد، حين يتكرر، يفقد رعبه.
نعتاد الدمار كما نعتاد الإعلانات.

لكن العالم، في معناه الأعمق، لا يتكوّن من صورٍ عابرة.
العالم هو شبكة الثقة بين البشر.
هو الحدّ الفاصل بين سلطةٍ وقانون.
هو قدرة الإنسان على أن يرى الآخر غايةً لا وسيلة.

حين تتآكل هذه البنية، لا نحتاج إلى زلزال.



قبل أسابيع، كان طفلٌ في مدينةٍ بعيدة يجلس في غرفةٍ نصف مظلمة، يتابع على شاشة هاتفه مدينةً أخرى تحترق. المباني تتهاوى، الناس يركضون، صفارات الإسعاف تعلو. رفع عينيه لحظة، نظر إلى صمت غرفته، ثم عاد إلى المشهد. لم يكن قاسيًا؛ كان معتادًا.

الاعتياد أخطر من القسوة.
القسوة فعل، أمّا الاعتياد فتآكل بطيء.

حين يصبح الألم محتوى،
والكارثة خلفيةً صوتية،
والإنسان رقمًا عابرًا في شريط الأخبار،
فإن شيئًا من العالم يكون قد انطفأ بالفعل.



نحن الجيل الذي يعرف أكثر مما يحتمل. تصلنا صور المجاعة والحرب في اللحظة نفسها التي تحدث فيها، لكن المعرفة وحدها لا تصنع وعيًا. بين الصورة والفعل مسافة، وفي تلك المسافة يُختبر ضمير العالم. ما نفع أن نرى كل شيء إذا كنا لا نرتجف إلا للحظة، ثم نكمل يومنا كما لو لم يحدث شيء؟

قد لا ينتهي العالم بانفجارٍ كوني، لكنه ينتهي كلما تحوّل الإنسان إلى متفرّج.

النهاية الكبرى—إن جاءت—لن تكون فضيحةً للكون، بل مرآةً لنا. الكون لا يعدنا بالعدالة، ولا يطالبنا بشيء. نحن الذين اخترعنا فكرة العدالة، ونحن الذين سنُسأل عنها. وإذا كان ثمّة ما يستحق الخوف، فليس الفناء الفيزيائي، بل احتمال أن نصل إليه وقد فرّغنا وجودنا من القيمة.



ربما لا يستحق كلُّ عالمٍ أن يستمر.

ليس الكوكب، بل العالم الذي نبنيه حين نقدّم الربح على الكرامة، والقوة على الحقيقة، والسرعة على التأمل. عالمٌ يُقاس فيه الإنسان بقدر إنتاجه، لا بعمق وعيه. عالمٌ يخشى الصمت لأن الصمت يفضح خواءه.

إن كان لا بدّ من نهاية، فلتكن نهاية هذا النمط من العيش.
نهاية الاكتفاء بالمشاهدة.
نهاية التبرير باسم الواقعية.
نهاية القبول بأن “هكذا تسير الأمور”.



العيش في كونٍ قابل للفناء لا يدعونا إلى الرعب، بل إلى المسؤولية. هشاشة الأشياء ليست لعنة، بل دعوة إلى العناية. كل لحظةٍ عابرة تحمل إمكانية إنقاذٍ صغير: كلمة تُقال في وقتها، موقف يُتخذ رغم الخسارة، يد تمتدّ قبل أن يبرد القلب.

العالم لا يسقط حين تتوقف الأرض عن الدوران.
يسقط حين نتوقف نحن عن المقاومة.
ولا يُنقذ بمعجزةٍ سماوية،
بل بقرارٍ إنسانيٍّ يتكرر، بصمت، كل يوم.

فإذا كان لا بدّ من سؤالٍ أخير، فلن يكن: متى ينتهي العالم؟
بل: أيُّ عالمٍ نريد أن يبقى بعدنا؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي.
وذلك هو الموعد الذي لا يُعلَن في السماء،
بل يُكتب في ضمائرنا—
كلَّ صباح.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
- اسمٌ آخر للقيد
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...
- الطابق الرابع
- نصف ثانية
- ارتجاف خفيف
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي
- حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر
- في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، ...
- الخطأ البشري


المزيد.....




- الأمم المتحدة.. الإسكوا تكشف عن -آفاق الاقتصاد الكلي في الـم ...
- لبنان: حركة نزوح كثيفة بمنطقة صور.. ووزير الداخلية يوجه بتسه ...
- وزير الخارجية الإيراني في رسالة للأمم المتحدة عن اغتيال خامن ...
- عراقجي يوجّه رسالة الى الامم المتحدة ومجلس الامن حول استشهاد ...
- ممثلية ايران في الامم المتحدة: حلم اميركا لابتلاع ايران لن ي ...
- رعب في تكساس.. إطلاق نار جماعي يوقع 14 جريحاً في أوستن واعتق ...
- إغلاق شامل للمعابر الفلسطينية: مخاوف من عودة المجاعة إلى قطا ...
- إسرائيل تغلق معابر غزة.. هل يعود شبح المجاعة على السكان مجدد ...
- الأمين العام للأمم المتحدة يدعو إلى وقف إطلاق النار في الشرق ...
- مندوب إيران بمجلس الأمن: الولايات المتحدة إسرائيل تشنان حربا ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم