أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟














المزيد.....

من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 21:59
المحور: الادب والفن
    


دخلت المجال وهي تحمل يقينًا مريحًا: الصحافة تعلّم قول الحقيقة، وعلم النفس يقدّم مفاتيح لفهم الإنسان. كانت تعتقد أن المعرفة تمنحها موقعًا أعلى قليلًا من الفوضى، وأن كل سلوك يمكن تفسيره، ثم تهذيبه، ثم تحسينه.

لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة.

في أحد الأيام، جلس طفل في الزاوية يضرب رأسه بالحائط. لم يكن المشهد دراميًا كما في الأفلام، ولم يكن صاخبًا كما قد يُتخيل. كان صوتًا مكتومًا متكررًا، وجسدًا صغيرًا يعاقب نفسه لأن العالم داخله أعلى من احتماله.

قيل ببرود مهني:

“هذا سلوك عدواني انسحابي. يحتاج تعديلًا.”

تلك الجملة لم تكشف حالة الطفل.

كشفت النظام كله.

كم مرة نحتمي بالمصطلحات لأننا لا نحتمل رؤية الألم عاريًا؟

كم مرة نسمّي الانهيار “سلوكًا” كي لا نسمّيه وجعًا؟

اقتربت وجلست على الأرض. لم تكن بطلة، ولم تكن واثقة تمامًا مما تفعل. لأول مرة، لم تكن الشهادات درعًا. لم يحدث شيء فوري. لم تتوقف الضربات فجأة. لم تتحقق معجزة.

لكن الصوت خفّ تدريجيًا…

ليس لأن الطفل “تعدّل”،

بل لأنه لم يعد وحده.

هناك انكسر وهم خطير:

نحن لا نعمل دائمًا من أجلهم.

أحيانًا نعمل لنُشعر أنفسنا أننا مسيطرون.

الأنظمة التعليمية تريد أطفالًا قابلين للإدارة.

المجتمع يريد اختلافًا غير مرئي.

الأهالي يريدون وعدًا بالتحسّن.

والمؤسسات تريد تقارير تقدّم.

لكن الطفل؟

الطفل يريد فقط عالمًا أقل قسوة على جهازه العصبي.

تدريجيًا، بدأت ترى ما لا يُقال.

نحن لا نخاف إعاقتهم بقدر ما نخاف عجزنا أمامها.

لا يزعجنا اختلافهم… يزعجنا أننا لا نستطيع قياسه بأدواتنا المعتادة.

في يومٍ ما، سألتها أمّ بصوتٍ مكسور:

“هل سيصبح مثل بقية الأطفال؟”

لم يكن السؤال عن المهارات.

كان عن القبول.

عن مكانٍ آمن في مجتمعٍ لا يرحم المختلفين.

وكان الجواب الصادق مؤلمًا:

ربما لن يصبح “مثلهم”.

لكن ربما المشكلة ليست فيه.

سقطت فكرة “التأهيل” بوصفها هدفًا مطلقًا.

التأهيل مهم.

التدخلات ضرورية.

الدعم واجب.

لكن الأخطر أن تتحول كل تلك الجهود إلى مشروع تطبيع قسري.

أن يصبح الهدف:

اجعلوه أقل إزعاجًا.

أكثر هدوءًا.

أكثر شبهًا بنا.

وهنا تغيّر السؤال جذريًا.

لم يعد: كيف نعدّل الطفل؟

بل: لماذا نصرّ على أن يكون مطابقًا؟

الحقيقة الجارحة أن بعض الألم الذي يعيشونه ليس بيولوجيًا فقط.

جزء منه اجتماعي.

جزء منه ناتج عن بيئة لا تفهم الاختلاف إلا كخلل.

لم تعد ترى نفسها منقذة.

بل شاهدة.

شاهدة على نظام يريد نتائج سريعة.

شاهدة على أسرٍ مرهقة تخاف المستقبل.

شاهدة على أطفالٍ يقاتلون يوميًا ليبقوا متّزنين في عالمٍ صاخب.

وفي النهاية، لم يكن الدرس عنهم فقط.

الإعاقة ليست الفضيحة.

الفضيحة هي ضيق أفقنا.

ليست المأساة أن يولد طفل بجهاز عصبي مختلف.

المأساة أن نطالبه أن يعتذر عن ذلك طوال حياته.

وفي كل مرة يُقال فيها “اضبطوا سلوكه”،

يبقى السؤال معلّقًا، بلا راحة:



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اسمٌ آخر للقيد
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...
- الطابق الرابع
- نصف ثانية
- ارتجاف خفيف
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي
- حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر
- في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، ...
- الخطأ البشري
- المواطنة غير المشروطة أفق ممكن أم تناقض بنيوي؟
- المواطنة ليست امتحانًا
- الفرد المقبول والجماعة المؤجَّلة
- العيش بين سرديتين في وعي الفلسطيني في الداخل
- لا تكن طيّبًا كما يريدونك مقالة رأي
- المختلفون 24


المزيد.....




- ماندول النورستانية.. ذاكرة الجبال التي تقاوم النسيان
- ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة ...
- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...
- الأردن يودع الفنان فؤاد حجازي
- الصين ضيف شرف في معرض موسكو الدولي للكتاب


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟