أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع والدولة؟ قراءة في التحولات النفسية والسياسية والاقتصادية زمن الأزمات














المزيد.....

الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع والدولة؟ قراءة في التحولات النفسية والسياسية والاقتصادية زمن الأزمات


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 09:00
المحور: المجتمع المدني
    


لا تبدأ الحروب في الميدان فقط، بل تبدأ لحظتها الحقيقية حين تدخل حياة الناس اليومية. ففي اللحظة التي تتحول فيها الأخبار إلى جزء من روتين الصباح، ويصبح القلق رفيق المساء، تدرك المجتمعات أن الحرب لم تعد حدثًا بعيدًا، بل واقعًا يلامس تفاصيل الحياة. وعندما تمتد الحرب لأسابيع، فإنها لا تبقى مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تتحول إلى تجربة إنسانية شاملة تعيد تشكيل النفس والمجتمع والدولة معًا.

في الأيام الأولى تسود حالة من الصدمة والترقب. يتابع الناس الأخبار بقلق، ويحاولون فهم ما يحدث حولهم. لكن مع مرور الوقت يبدأ المجتمع في التكيف مع واقع جديد لم يكن متوقعًا. هنا تظهر قدرة الإنسان اللافتة على التأقلم؛ إذ يحاول الحفاظ على إيقاع الحياة اليومية قدر الإمكان. فالعمل والدراسة واللقاءات العائلية تتحول في زمن الحرب إلى محاولة صامتة لحماية ما تبقى من الشعور بالحياة الطبيعية.

سياسيًا، تمثل الحرب لحظة اختبار حقيقية للدولة ومؤسساتها. ففي أوقات الأزمات تتقدم الاعتبارات الأمنية إلى الواجهة، وتصبح سرعة القرار ووضوح الرؤية عنصرين أساسيين في إدارة المرحلة. تميل الحكومات في هذه الظروف إلى تعزيز مركزية القرار وتوسيع صلاحياتها تحت عنوان الضرورة الوطنية. وفي المقابل، يصبح المجتمع أكثر حساسية تجاه أداء القيادة السياسية، لأن الحرب تكشف بوضوح قدرة القيادة على إدارة الأزمات وحدود تلك القدرة في الوقت نفسه. وعلى المستوى الدولي، تتحرك الدبلوماسية في فضاء معقد من الضغوط والمصالح، حيث تحاول الدول موازنة حسابات القوة مع الحاجة إلى الاستقرار.

أما على المستوى النفسي، فإن الحرب الممتدة تخلق حالة من التوتر الجمعي. يعيش الناس بين الخوف على أحبائهم والقلق من المجهول، ويصبح المستقبل أكثر غموضًا من أي وقت مضى. ومع ذلك، تمتلك النفس البشرية قدرة مدهشة على التكيف؛ فهي تبحث دائمًا عن معنى يسمح لها بمواصلة الحياة. لذلك يتمسك الناس بتفاصيل يومية صغيرة، لأنها تمنحهم شعورًا بالاستمرار وسط واقع مضطرب.

ومن المفارقات الإنسانية أن الأزمات كثيرًا ما تولد نوعًا من القرابة الوجدانية بين الناس. فحين يواجه المجتمع خطرًا مشتركًا، تتقارب المشاعر وتتوسع دوائر التعاطف. يصبح الألم تجربة مشتركة، ويشعر الأفراد بأنهم جزء من مصير واحد. في مثل هذه اللحظات تظهر مبادرات التضامن والعمل التطوعي، وتتحول القيم الإنسانية إلى قوة اجتماعية تساعد المجتمع على الصمود.

اجتماعيًا، تكشف الحرب طبيعة العلاقات داخل المجتمع. ففي الأوقات العادية قد تبدو الروابط الاجتماعية مألوفة أو عادية، لكن الأزمات تظهر قيمتها الحقيقية. تتقوى العلاقات العائلية، ويصبح الجيران أكثر قربًا من بعضهم، وتبرز مبادرات المساعدة التي تعزز روح التضامن. ومع ذلك، لا تخلو هذه المرحلة من توترات وضغوط، إذ قد تظهر اختلافات في المواقف أو شعور متزايد بالإرهاق نتيجة استمرار الأزمة.

اقتصاديًا، تمثل الأسابيع الأولى من الحرب مرحلة اضطراب واضحة. تتباطأ الأسواق، وتتراجع الاستثمارات، وتتجه الموارد نحو تلبية الاحتياجات الأمنية والعسكرية. وقد يشعر المواطنون بآثار ذلك في ارتفاع بعض الأسعار أو في تراجع فرص العمل. ومع مرور الوقت يحاول الاقتصاد التكيف مع الواقع الجديد، لكن الكلفة الاجتماعية للحرب تبقى حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

غير أن الأثر الأعمق للحرب لا يظهر فقط في القرارات السياسية أو المؤشرات الاقتصادية، بل في التحول الذي يحدث في وعي الناس. فالحروب تجعل الإنسان يعيد التفكير في أشياء كان يعتبرها بديهية: الأمن، الاستقرار، والطمأنينة اليومية. يكتشف الناس فجأة أن التفاصيل الصغيرة للحياة – لحظات الهدوء، اللقاءات العائلية، الحياة العادية – هي في الحقيقة أكثر ما يستحق الحماية.

وهكذا تكشف الحرب وجهين متناقضين في التجربة الإنسانية. فهي من جهة تبرز هشاشة الإنسان أمام الخوف والخسارة، لكنها من جهة أخرى تظهر قدرته العميقة على التضامن والصمود. وبين الألم والأمل تتشكل لدى المجتمعات خبرة إنسانية جديدة قد تدفعها إلى إعادة التفكير في معنى القوة ومعنى السلام.

وفي النهاية، قد تنتهي الحروب سياسيًا أو عسكريًا، لكن آثارها تبقى في الذاكرة الجماعية للشعوب. فهي تترك بصمتها في النفوس وفي طريقة نظر الناس إلى المستقبل. وربما يكون الدرس الأهم الذي تمنحه هذه التجارب هو أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو الشرط الأساسي لحفظ إنسانية الإنسان



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
- اسمٌ آخر للقيد
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...
- الطابق الرابع
- نصف ثانية
- ارتجاف خفيف
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي
- حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر


المزيد.....




- قصف مدرسة في إيران.. نداء أممي لحماية الأطفال خلال الحرب في ...
- قطر توجه رسالة ثالثة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشأن الهج ...
- اعتقال طاقم صحفي أثناء بث مباشر من تل أبيب.. ما القصة؟
- شرطة لندن: اعتقال 3 رجال يشتبه بتجسسهم لصالح الصين
- تحقيق مستقل للأمم المتحدة يندد بالضربات الأمريكية والإسرائيل ...
- رئيس السنغال السابق يسعى لخلافة غوتيريش بالأمم المتحدة
- -مخفَون بلا أثر-.. العفو الدولية تطالب بخريطة طريق أممية لكش ...
- أمنستي تحذّر: مشروع قانون مكافحة الإرهاب الجديد في سريلانكا ...
- مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: الوضع يزداد سوءا بالشرق ...
- نادي الأسير الفلسطيني: 165حالة اعتقال في الضفة الغربية منذ ا ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - رانية مرجية - الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع والدولة؟ قراءة في التحولات النفسية والسياسية والاقتصادية زمن الأزمات