أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس














المزيد.....

قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


في «سِهامُ الرياءِ» لا نكون أمام نص وجداني عابر، بل أمام خطاب شعري يتكئ على تجربة إنسانية مكثّفة، تتقاطع فيها الخيبة مع الوعي، والجرح مع الكرامة، والخذلان مع إعادة تعريف الذات. القصيدة لا تكتفي برصد ألمٍ شخصي، بل تُحوّله إلى سؤال أخلاقي أوسع: كيف يحافظ الإنسان على نقائه في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة؟

العنوان: استعارة الإصابة الأخلاقية



العنوان بحد ذاته بناء رمزي محكم؛

فـ«السِّهام» ليست مجرد أداة قتل، بل رمز للأذى المباغت، للإصابة التي تأتي بدقة وقصد. أما «الرياء» فهو الخيانة في صورتها الناعمة، الوجه الذي يبتسم فيما القلب يُضمر خلافه. ومن هذا التزاوج يتولد معنى بالغ القسوة: أخطر الطعنات ليست تلك التي تُشهر في العلن، بل التي تُطلق من خلف ستار الود.



إنها إصابة أخلاقية قبل أن تكون جرحًا عاطفيًا.

البنية الشعورية: من الدهشة إلى الاستعلاء النبيل



تبدأ القصيدة بدهشة أقرب إلى البراءة المصدومة:



عجبتُ من زيفِ أناسِ الديارِ
وكيف استحال الودُّ فيهم غبار


هنا تتحول القيم من ثباتٍ إلى تحلل؛ الود الذي يفترض أن يكون جذراً، يغدو غبارًا. الصورة مكثفة في بساطتها، وتعكس انكسار التوقع.



ثم يتصاعد الإحساس نحو خيانة الأقرب:



وشهدتُ غدرًا من أقربِ القلوب
كأن الطعنةَ جاءت بلا إنذارِ


إنها ليست خيانة خصوم، بل سقوط الداخل. ولهذا تكتسب التجربة ثقلها الوجودي؛ فالخذلان حين يأتي من القريب لا يجرح القلب فقط، بل يُربك تعريف الأمان ذاته.



غير أن القصيدة لا تستسلم لثنائية الضحية والجلاد، بل تنزاح تدريجيًا نحو وعيٍ أكثر اتزانًا. تتكشف النوايا، تُسقط الأقنعة، وتظهر حقيقة الرياء كخيار أخلاقي عند الآخر لا عيبًا في الذات.

التحول: من الانكسار إلى السيادة



اللحظة الفارقة في النص تتمثل في قول الشاعرة:



فاخترتُ نفسي… طريقًا كريمًا
إذا خانني الخلقُ لي ربُّ مُجيبًا


هنا تبلغ القصيدة ذروة نضجها؛ إذ تنتقل من العتب الأرضي إلى الثقة العلوية. لم تعد الذات تبحث عن تبرير عند البشر، بل تؤسس لمرجعية أسمى من تقلباتهم. وهذا التحول يمنح النص قوة روحية تجعله يتجاوز البوح إلى الرؤية.



ويأتي تأكيد المفهوم الجديد للقوة في:



فليس القوي من لا يُصابُ
ولكن من ينهضُ بعدَ الانكسار


هذا البيت يختصر فلسفة النص. القوة ليست غياب الجرح، بل القدرة على تجاوزه دون أن يفقد الإنسان قيمته. إنه تعريف ناضج، بعيد عن البطولة الزائفة، وقريب من الحكمة الإنسانية.

اللغة والأسلوب: صفاء التعبير وقصدية الخطاب



تكتب عائشة يونس بلغة واضحة، غير متكلفة، تميل إلى البيان الصريح أكثر من الغموض الرمزي. قد يراها البعض مباشرة، لكنها مباشرة مقصودة تخدم الطابع الأخلاقي للنص.

الصور الشعرية تنتمي إلى حقلٍ دلالي موحّد: الغبار، السهم، القناع، الغدر — وكلها تعزز وحدة الموضوع وتمنح القصيدة تماسكًا عضويًا.



ورغم أن بعض المواضع تميل إلى التقرير، فإن حرارة الشعور وصدق النبرة يمنحان النص مشروعيته الجمالية.

البعد القيمي: الشعر بوصفه موقفًا



ليست «سِهامُ الرياءِ» قصيدة شكوى، بل قصيدة موقف.

إنها تعلن بوضوح:



وآليتُ ألا أبيعَ نقائي
ولو ضاق صدري بثقلِ الأسرارِ


وهنا تتجلى القيمة العليا في النص: الكرامة خيار، حتى حين يضيق العالم.

إنها قصيدة تؤمن بأن النقاء ليس ضعفًا، بل شكلٌ من أشكال السيادة الأخلاقية.

خاتمة



«سِهامُ الرياءِ» نصٌّ يكتب الجرح بوعي، ويصوغ الخذلان بلغة متماسكة، ثم ينهض منه دون ضجيج. إنه شعر يرفض الانكسار، ويعيد تعريف القوة بوصفها قدرة على النهوض لا على الانتقام.



قصيدة تستحق النشر في منبرٍ أدبي رصين، لأنها لا تقدم ألمًا فحسب، بل تقدم معنى للألم.

وفي زمنٍ يتسع فيه الرياء، يبقى مثل هذا الصوت ضرورة، لا ترفًا أدبيًا



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
- اسمٌ آخر للقيد
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...
- الطابق الرابع
- نصف ثانية
- ارتجاف خفيف
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي
- حين تتآكل الثقة: في سقوط المعنى قبل سقوط الأنظمة
- بناء البشر أهمّ من بناء الحجر
- في مدحِ النقص: الأربعون قبل الفصح الصومُ ليس تقليلًا للطعام، ...


المزيد.....




- ظلام وأزمة وقود.. 5 أفلام سينمائية تخيلت العالم بلا طاقة
- من هي ريتا في شعر محمود درويش؟
- معرض في لندن يستعرض خمسة عقود من تجربة ضياء العزاوي الفنية
- وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية بين حرب الـ12 يوما وهجوم 28 ف ...
- أشبه بفيلم سينمائي.. تفاصيل رحلة خروج منير الحدادي من إيران ...
- غزة كما لم تروَ: -بين أروقة الموت- تكتب الوجع من قلب الركام ...
- رمضان في الأردن.. طقوس يومية تصنع هوية لا تشبه سواها
- حنين بصوت القرآن.. محمد رشاد الشريف كما يتذكره الأردنيون
- كواليس أزياء مسلسل -بالحرام-..فستان مضاء بتقنية LED وتصاميم ...
- الشاعرة أمينة عبدالله تعلن عن ترشحها لعضوية مجلس إدارة إتحاد ...


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس