أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف














المزيد.....

لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 13:09
المحور: الادب والفن
    


ربما لم يعرف الإنسان عن العالم بقدر ما يعرف اليوم، لكنه في الوقت ذاته لم يخف منه كما يخاف الآن.

لقد فتح العقل البشري أبواب الفضاء، واخترق أسرار الذرة، وحوّل المعرفة إلى قوة غير مسبوقة في التاريخ. ومع ذلك، يبدو الإنسان المعاصر أكثر قلقًا من أي وقت مضى. يخاف من الحروب التي تعود بأشكال جديدة، ومن الأزمات الاقتصادية التي تهز يقين المجتمعات، ومن مستقبلٍ يزداد غموضًا كلما ازداد العلم تقدمًا. لقد صار الخوف، في كثير من الأحيان، اللغة الخفية التي تُدار بها السياسة، ويُصاغ بها الإعلام، ويُعاد بها تشكيل الوعي الجمعي.

لكن في قلب هذا الضجيج التاريخي، تعبر كلمة قديمة بهدوء عجيب عبر القرون: لا تخف.

هذه العبارة التي تتردد في صفحات الإنجيل ليست مجرد تعزية روحية أو خطاب ديني تقليدي، بل إعلان عميق عن إمكانية تحرير الإنسان من الاستبداد الصامت للخوف. فالخوف ليس مجرد شعور عابر، بل تجربة وجودية ترافق الإنسان منذ اللحظة التي أدرك فيها هشاشته أمام الكون.

الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنه كائن محدود. يعرف أن الزمن يمضي بلا توقف، وأن حياته قابلة للانكسار في أي لحظة. ولهذا يتحول الخوف أحيانًا إلى الخلفية الصامتة لكل قراراته الكبرى.

ولهذا رأى الفيلسوف الدنماركي Søren Kierkegaard أن القلق ليس مرضًا نفسيًا، بل تجربة وجودية أساسية. فقد وصفه بأنه «دوار الحرية». فالإنسان، لأنه كائن حر، يشعر بالقلق أمام اتساع إمكاناته وأمام مسؤوليته عن اختياراته.

أما الفيلسوف الألماني Martin Heidegger فقد رأى أن القلق يكشف للإنسان حقيقة وجوده المحدود. ففي لحظة القلق يسقط الإنسان خارج الطمأنينة اليومية، ويجد نفسه وجهًا لوجه أمام السؤال الأعمق: ما معنى أن أكون؟

لكن الإنجيل يقترح طريقًا آخر في مواجهة هذا السؤال. فهو لا يكتفي بتشخيص القلق، بل يفتح أفقًا يتجاوز العزلة الوجودية التي تحدث عنها الفلاسفة.

في اللحظات المفصلية من السرد الإنجيلي تتكرر عبارة «لا تخف» كأنها بداية تاريخ جديد.
حين وقف زكريا في الهيكل أمام حدث يفوق كل توقعاته، كانت أول كلمة يسمعها: لا تخف.
وحين واجهت مريم اللحظة التي ستفتح أفقًا جديدًا في التاريخ البشري، قيل لها: لا تخافي.
وحتى التلاميذ الذين ارتعبوا وسط العاصفة في بحر الجليل، لم يبدأ الخطاب بتهدئة البحر، بل بتهدئة الإنسان: لا تخافوا.

هذه المفارقة تكشف رؤية لاهوتية عميقة: العالم لا يتغير أولًا، بل الإنسان.
فالعاصفة قد تبقى، والبحر قد يظل مضطربًا، لكن الإنسان يستطيع أن يعبره دون أن يغرق داخليًا.

ولهذا عبّر اللاهوتي والفيلسوف Paul Tillich عن هذه الفكرة حين تحدث عن «الشجاعة أن تكون». فالشجاعة الحقيقية ليست غياب الخوف، بل القدرة على الاستمرار في الوجود رغم حضوره.

في هذا المعنى تصبح عبارة «لا تخف» فعل مقاومة وجودية. مقاومة ضد ثقافة الخوف التي تحاول اختزال الإنسان في غريزة البقاء فقط.

فالتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الحروب بدأت من خوف، وأن كثيرًا من الكراهية نشأت من خوف من الآخر، وأن العنف في كثير من الأحيان ليس إلا الوجه القاسي لخوف لم يجد طريقه إلى الفهم.

الخوف يصنع تاريخ العنف، لكن الشجاعة تصنع تاريخ الإنسان.

لهذا لا تبدو عبارة «لا تخف» مجرد خطاب فردي، بل دعوة حضارية. إنها تذكير بأن أكبر معارك الإنسان ليست مع الطبيعة ولا مع التاريخ، بل مع الخوف الذي يسكن أعماقه.

واللافت أن هذه الكلمة لم تُقَل من موقع سلطة أو قوة. لم تُقَل لإمبراطوريات منتصرة، بل لبشر قلقين: صيادين بسطاء، مرضى، متعبين، ومهمَّشين. الكلمة لم تكن شعارًا، بل حضورًا يبدد الوحدة التي ينمو فيها الخوف.
في عالمٍ يتغذى على تضخيم المخاوف، ربما يصبح أعظم فعل إنساني هو أن يجرؤ الإنسان على الإصغاء إلى تلك الكلمة القديمة التي ما زالت تعبر التاريخ بهدوء وقوة:

لا تخف.

فربما كانت هذه الكلمة، في جوهرها العميق، ليست مجرد وعد ديني،
بل بداية حرية الإنسان…
وبداية شجاعته في أن



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد
- الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» ...
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...
- الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع ...
- قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
- اسمٌ آخر للقيد
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...
- الطابق الرابع
- نصف ثانية
- ارتجاف خفيف
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة


المزيد.....




- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف