أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» للكاتبة دينا سليم حنحن














المزيد.....

الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» للكاتبة دينا سليم حنحن


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 09:43
المحور: الادب والفن
    


ثمة نصوص لا تقوم على الحدث بقدر ما تقوم على الإصغاء. نصوص لا تسعى إلى الدهشة الصاخبة، بل إلى ذلك الانتباه البطيء الذي يجعل القارئ يعيد النظر في أشياء ظنّ طويلاً أنها بديهية. وقصة «أجساد تعرف قبلنا» تنتمي إلى هذا النوع من السرد التأملي الذي يتسلل بهدوء إلى إحدى أكثر مناطق التجربة الإنسانية حساسية: العلاقة الملتبسة بين الإنسان وجسده.

منذ الجملة الأولى، يضعنا النص أمام عزلة ذات طابع جسدي واضح: امرأة تعرف صوت جهاز التنفّس أكثر مما تعرف أصوات البشر. ليست هذه بداية وصفية فحسب، بل مفتاح دلالي للنص كله. فالصوت المنتظم الصادر عن الجهاز لا يظل مجرد تفصيل طبي، بل يتحول تدريجياً إلى إيقاعٍ للحياة نفسها، إلى تذكير خفي بأن التنفّس — أكثر الأفعال بداهة — قد يصبح في لحظة ما فعلاً هشّاً يحتاج إلى العون.

بهذا الاقتصاد الهادئ يبدأ النص من منطقة الضعف الإنساني، لكنه سرعان ما يتجاوز حدود المرض ليطرح سؤالاً أعمق: هل نحن حقاً من يعرف أجسادنا أولاً؟



الجسد بوصفه وعياً سابقاً

ما تقترحه القصة، دون خطاب مباشر، هو إعادة الاعتبار للجسد بوصفه شكلاً من أشكال المعرفة. ففي التجربة اليومية يميل الإنسان إلى التعامل مع جسده كأداة، كشيء يعيش داخله ويستخدمه، بينما يظل العقل هو المركز المفترض للوعي.

لكن النص يقلب هذه المعادلة بهدوء. فقبل أن يصل الخلل إلى مستوى الإدراك، يكون الجسد قد بدأ بالفعل بإرسال إشاراته الدقيقة. إشارات قد لا نقرأها فوراً، لكنها تظل موجودة في طبقات الحياة اليومية.

ومن هنا تأتي أهمية التفصيل السردي الذي يبدو للوهلة الأولى بسيطاً: ظهور النمل.



النمل: حين تلتقط الطبيعة ما نعجز عن رؤيته

اختيار النمل ليس تفصيلاً عرضياً في البناء الرمزي للنص. فالنمل، بحساسيته الشديدة للروائح والتغيرات الكيميائية، يتحول في القصة إلى كائن يلتقط ما لا يستطيع الإنسان ملاحظته.

غير أن قوة الرمز لا تكمن في تفسيره العلمي المحتمل فحسب، بل في طبيعته المزدوجة: فهو في الوقت نفسه ظاهرة واقعية واستعارة نفسية. الخط الأسود المتكرر من النمل يتحول تدريجياً إلى صورة خارجية لقلق داخلي، إلى علامة صغيرة لكنها ملحّة، تشبه فكرة خفية تنمو بصمت في أعماق الوعي.

بهذا المعنى، يصبح النمل في القصة أشبه بوسيط بين عالمين:
عالم الجسد الذي يعرف، وعالم الوعي الذي يتأخر في الفهم.



الشيخوخة: جغرافيا الزمن على الجسد

في أحد أكثر مقاطع القصة كثافة، تقف البطلة أمام المرآة وترى جسدها بوصفه «خريطة خسارات». هذه العبارة المكثفة لا تصف الشيخوخة فحسب، بل تكشف طبيعة العلاقة بين الزمن والجسد.

فالزمن لا يمرّ على الجسد مروراً عابراً، بل يترك أثره في شكل علامات دقيقة: تجاعيد، ندوب، أوعية بارزة، ترهلات. إنها ليست مجرد تغيّرات بيولوجية، بل آثار حياة كاملة مرّت عبر هذا الجسد.

ومع ذلك، فإن النص لا يقدّم الشيخوخة بوصفها انهياراً كاملاً. فالجسد الذي يبدو مثقلاً بآثار الزمن يظل محتفظاً بقدرته على التنبيه، كأن ذاكرته البيولوجية لا تتوقف عن العمل حتى في أكثر مراحل الحياة هشاشة.



بين العلم وحدس الحياة

لا تحاول القصة أن تجعل من الحدث معجزة، ولا أن تحوّله إلى لغز غامض بالكامل. فهي تشير إلى إمكان تفسير علمي لما حدث: تغيّر في رائحة الجلد أو إفرازات الخلايا غير الطبيعية التي قد تجذب الحشرات.

غير أن النص لا يسمح للتفسير العلمي بأن يغلق أفق المعنى. فالأدب، بطبيعته، لا يسعى إلى تقديم الإجابة النهائية، بل إلى توسيع السؤال.

وفي هذا التوازن بين التفسير العلمي وحدس الحياة تكمن قوة النص؛ إذ يبقى الحدث معقولاً، لكنه يظل في الوقت ذاته مفتوحاً على تأمل أوسع في حساسية الجسد وحدود معرفتنا به.



اقتصاد السرد وكثافة الإيحاء

على المستوى الأسلوبي، تعتمد القصة على لغة هادئة مقتصدة، بعيدة عن المبالغة البلاغية. الجمل قصيرة نسبياً، لكنها مشبعة بالدلالة، ما يمنح النص إيقاعاً يشبه إلى حد بعيد إيقاع جهاز التنفّس الذي يرافق البطلة في الليل: منتظماً، متكرراً، لكنه يحمل في داخله توتراً خفياً.

ومع أن بعض المقاطع التي تتجه إلى الشرح العلمي المباشر تقلل قليلاً من مساحة الغموض الجمالي، فإن النص يظل محافظاً على توازنه بين السرد والتأمل.



الإصغاء الذي يأتي متأخراً

في نهاية القصة، حين تضع المرأة يدها على الموضع الذي أزيل منه الورم، لا يبدو الأمر انتصاراً بقدر ما هو لحظة فهم. لقد أدركت أخيراً أن الجسد لم يتوقف يوماً عن الكلام، وأن الإشارات كانت موجودة منذ البداية.

لكن الإنسان — المنشغل بضجيج الحياة — نادراً ما يتعلم فن الإصغاء إلى جسده إلا بعد فوات الأوان.

هنا تتجاوز القصة حدود الحكاية الطبية لتصبح تأملاً إنسانياً في تلك العلاقة الصامتة التي تربطنا بأجسادنا. علاقة نقضي العمر كله في العيش داخلها، لكننا نادراً ما ننتبه إلى لغتها.

ولعل هذا ما يجعل الجملة الأخيرة من النص تظل معلّقة في ذهن القارئ، لا بوصفها خاتمة سردية، بل كحقيقة هادئة عن وجودنا:

أجسادنا تعرف قبلنا.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...
- الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع ...
- قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
- اسمٌ آخر للقيد
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...
- الطابق الرابع
- نصف ثانية
- ارتجاف خفيف
- ما لا يغتفره الجسد
- عندما تصبح الكرامة مشروطة في نقد اختزال الإنسان إلى كفاءة
- عندما تصبح الحافة وطنًا
- جدارٌ كان اسمي


المزيد.....




- ترجمة الذكاء الاصطناعي متهمة بإغراق محتوى ويكيبيديا بالهلوسة ...
- شاهد.. ردة فعل ميسي بعد تلقيه هدية غير متوقعة من فنانة مكسيك ...
- غزة كما لم تروَ: -بين أروقة الموت- تكتب الوجع من قلب الركام ...
- الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون: -سنقوم ...
- الشيخ صلاح بوخاطر.. -مزمار- الشارقة الذي يشجي القلوب في ليال ...
- لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
- نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم ...
- ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا ...
- رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
- رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف ...


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» للكاتبة دينا سليم حنحن