رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 18:21
المحور:
الادب والفن
ليست كلّ الخسارات متشابهة.
بعضها يمرّ كخبرٍ عابر، وبعضها يترك فجوةً في روح الثقافة.
ورحيل لطيفة الدليمي من تلك الخسارات التي لا يمكن أن تمرّ بهدوء.
لم تكن الدليمي مجرد روائية عراقية لامعة؛ كانت عقلاً استثنائياً في الثقافة العربية، امرأةً آمنت أن الكتابة ليست حرفةً لغوية، بل فعل معرفة، ومسؤولية أخلاقية أمام الإنسان والعالم.
كانت تكتب كما لو أنها تحرس المعنى في زمنٍ يتآكل فيه المعنى.
في زمنٍ صار فيه الضجيج أعلى من الفكر، كانت تمضي في طريقها الهادئ، تبني مشروعها السردي بصبر العلماء وقلق الفلاسفة وحساسية الشعراء.
لم تكن الرواية عندها حكاية فحسب.
كانت مختبراً للأسئلة الكبرى.
في نصوصها كان الأدب يلتقي بالعلم، وكانت الفلسفة تسير جنباً إلى جنب مع السرد، كأنها تفتح نوافذ الرواية العربية على أفقٍ أوسع: أفق المعرفة.
ولهذا بدت كتابتها مختلفة، عميقة، ومضيئة.
لم تكن تسعى إلى الإدهاش العابر، بل إلى الفهم.
كانت تؤمن أن الأدب الحقيقي لا يكتفي بوصف العالم، بل يحاول أن يفسّره، وأن يعيد الإنسان إلى مركز المعنى فيه.
لكن خلف هذا العقل اللامع كانت روحٌ عراقية تعرف وجع التاريخ.
كانت ترى وطنها يمشي مثقلاً بالحروب والانكسارات، وترى الإنسان وهو يقف وحيداً أمام قسوة العالم، فكتبت لتدافع عن إنسانيته.
كتبت عن الذاكرة، عن النساء اللواتي يحملن أثقال الزمن، وعن الإنسان الذي يحاول أن يبقى إنساناً وسط الخراب.
لم تكن لطيفة الدليمي من كتّاب الضجيج.
كانت من أولئك الذين يعملون بصمت، لكن أثرهم يتسلل عميقاً إلى الوعي.
تقرأ لها فتشعر أن العالم صار أوضح قليلاً، وأن الأسئلة التي كانت مبعثرة في ذهنك وجدت طريقها إلى اللغة.
وهذا هو الأثر الحقيقي للكتابة.
اليوم، ونحن نودّعها، ندرك أن الثقافة العربية فقدت صوتاً معرفياً نادراً؛ عقلاً كان يضيء العتمة بهدوء، دون أن يطلب الضوء لنفسه.
رحلت لطيفة الدليمي…
لكن الكتب التي تركتها ليست أوراقاً صامتة، بل حياة أخرى لها.
هناك، بين السطور، ما زال عقلها يفكّر، ويسأل، ويترك في ذهن القارئ شرارةً صغيرة من الضوء.
وهكذا يبقى الكتّاب الكبار.
لا يسكنون القبور…
بل يسكنون العقول.
سلامٌ لروحكِ يا لطيفة الدليمي.
سلامٌ لامرأة
كتبت بعقل العالم…
وقلب العراق.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟