أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الكرة التي انتظرت














المزيد.....

الكرة التي انتظرت


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 12:01
المحور: الادب والفن
    


لم يكن آدم يعرف معنى الحرب. كان يعرف فقط أن الكرة يجب أن تُركل بقوة كي تصل إلى آخر الزقاق، وأن أمه تناديه كل مساء قبل أن يبرد الضوء على الجدران. في ذلك العصر كانت الساحة الضيقة بين البيوت مليئة بصوت الأطفال، وكانت الضحكات تتطاير في الهواء مثل عصافير صغيرة لا تعرف شيئًا عن السماء الثقيلة فوقها.

ركض آدم خلف الكرة وهو يلهث ويضحك، بينما كان سامر يصرخ من الطرف الآخر للزقاق:
"مرّرها… مرّرها!"

وقبل أن تصل الكرة إلى قدمه شقَّ الهواء صوت طويل حاد. كانت صفارة الإنذار.

في لحظة واحدة تجمّدت الضحكات في المكان، كأن أحدًا أطفأها فجأة. انفتحت الأبواب دفعة واحدة، وخرجت الأمهات إلى العتبات وارتفعت الأصوات المرتبكة:
"إلى الملجأ… بسرعة!"

لم يفهم آدم لماذا أصبح الركض فجأة مختلفًا؛ قبل لحظة كان ركضًا من أجل هدف، والآن صار ركضًا من أجل النجاة.

أمسكت أمه بيده بقوة حتى شعر أن أصابعه تختفي داخل كفها، وبدأت تنزل به درجات الملجأ بسرعة بينما كانت أقدام الناس تتدافع خلفهم مثل موجة خائفة. في الداخل كان الضوء أصفر خافتًا يتدلّى من مصباح قديم يهتز قليلًا مع كل صوت بعيد، وجلس الناس متقاربين أكثر مما يفعل الغرباء عادة.

كان هناك رجل مسن يحدّق في الأرض كأنه يبحث فيها عن زمن آخر، وامرأة تضم رضيعها إلى صدرها وتهمس له بكلمات لا يسمعها أحد، وطفل صغير يبكي بصمت كأنه يخاف أن يزعج الحرب.

جلس آدم قرب أمه وهو يحتضن كرته التي كان قد التقطها في آخر لحظة قبل النزول. كان يسمع أنفاس الناس حوله بطيئة ومتقطعة، وكأن الملجأ نفسه يتنفس معهم.

رفع رأسه قليلًا وسأل أمه بصوت خافت:
"ماما… هل الحرب تعرف أننا أطفال؟"

توقفت يد الأم لحظة فوق شعره، لكنها لم تجد جوابًا. ضمّته إلى صدرها وهمست قرب أذنه بصوت مرتجف:
"لا يا حبيبي… الحرب لا تعرف أحدًا."

في الخارج دوّى صوت بعيد يشبه بابًا ضخمًا يُغلق في مكان ما من العالم، ومرّت الدقائق ثقيلة وبطيئة كأن الزمن نفسه خاف أن يتحرك.

ثم فجأة سكتت الصفارة.

ساد صمت غريب، ذلك الصمت الذي يأتي بعد الخوف حين لا يصدق الناس أن الصوت انتهى حقًا.

كان الأطفال أول من تحرك. صعد آدم الدرج ببطء ممسكًا بيد أمه حتى خرج إلى الضوء. كان المساء لا يزال هناك، والسماء ما زالت فوق البيوت كأنها لم تر شيئًا.

نظر إلى الزقاق، فرأى الكرة التي تركها قبل صفارة الإنذار ما تزال في مكانها.

ترك يد أمه قليلًا، ركض نحوها، ثم ركلها بقوة. دحرجت الكرة على الإسفلت وركض آدم خلفها، بينما وقفت الأم عند باب الملجأ تراقبه بصمت.

قبل دقائق فقط كان الجميع يهربون من الخوف، والآن كان طفل واحد يركض نحو الحياة.

في تلك اللحظة الصغيرة بدا كأن الطفولة، رغم كل ما يحدث، تحاول مرة أخرى بعناد هائل أن تعلّم هذا العالم المتعب درسًا بسيطًا:

أن الحياة، حتى تحت صوت الحرب، ما زالت تريد أن تُلعب



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...
- مرثية الشاعرة رانية مرجية في وداع المؤرخ الفلسطيني وليد الخا ...
- لطيفة الدليمي… حين يغيب عقلٌ كان يضيء العتمة
- المرأة الفلسطينية… حارسة الذاكرة وصانعة الحياة
- لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف
- الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد
- الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» ...
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...
- الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع ...
- قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟
- اسمٌ آخر للقيد
- حين يُصبحُ الاسمُ معنى في عيد ميلاد الأديب الصديق زهير دعيم
- «بالحرام»… حين يُعاد إنتاج الجريمة باسم القيم قراءة نسوية في ...


المزيد.....




- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الكرة التي انتظرت