رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 14:20
المحور:
قضايا ثقافية
قال الدكتور بشارة مرجية: «لا تتوقف عن التعليم أبداً».
وما هذه العبارة إلا حكمة تشبه نافذة تُفتح على معنى عميق في حياة الإنسان؛ لأن الإنسان في حقيقته ليس ما يعرفه اليوم، بل ما يبقى مستعداً لأن يتعلمه غداً.
فالإنسان يولد وفي روحه دهشة البدايات. ينظر إلى العالم كأنه يراه لأول مرة، ويقترب من الأشياء بفضولٍ صادق، كأن الكون كله لغز جميل ينتظر من يكتشفه. ومنذ تلك اللحظة تبدأ رحلة التعلّم؛ رحلة لا تنتهي عند مقاعد الدراسة، ولا تُختصر في كتاب أو شهادة.
نحن نتعلم في المدارس كيف نقرأ الكلمات، لكن الحياة تعلّمنا كيف نقرأ المعاني.
فالتجربة كتابٌ لا تنتهي صفحاته، والطريق الطويل يخبئ في صمته حكماً لا يكتبها الحبر، بل تكتبها الأيام في أعماق القلب.
في هذا العالم معلمون كثيرون، حتى وإن لم يحملوا لقب «معلم».
فالطفل الذي يضحك ببراءة يذكّرنا بنقاء البداية، والشيخ الذي يحمل سنواته الطويلة يحدّثنا عن حكمة الطريق. والصديق يفتح لنا باب المشاركة، والاختلاف مع الآخرين يعلّمنا أن الحقيقة أوسع من رأي واحد.
وحتى الألم، ذلك الزائر الثقيل، يحمل في يده درساً خفياً.
فكم من إنسانٍ تعلّم من عثرةٍ واحدة ما لم يتعلّمه من سنواتٍ من الراحة، وكم من تجربةٍ صعبة كشفت للروح أبواباً جديدة للفهم.
إن المعرفة ليست امتلاء العقل بالمعلومات، بل اتساع القلب بالحكمة.
فكلما تعلّم الإنسان شيئاً جديداً، اكتشف أن العالم أكبر مما ظن، وأن الحقيقة بحرٌ واسع لا يبلغ الإنسان شاطئه مهما أبحر.
لهذا فإن العلم الحقيقي يقود صاحبه إلى التواضع.
فالعالم الحق هو الذي يدرك أن ما يجهله أكثر مما يعرفه، وأن كل فكرة جديدة ليست نهاية الطريق، بل بداية سؤال جديد.
إن العقل الذي يتوقف عن التعلّم يشبه نافذة أُغلقت في وجه الفجر.
قد يبقى البيت قائماً، لكن الضوء لا يدخله. أما العقل الذي يبقى تلميذاً للحياة، فإنه يظل حياً ومتجدداً، كنبعٍ لا يجف مهما تعاقبت الفصول.
لهذا لا تتوقف عن التعلّم.
اقرأ كتاباً، وتأمل فكرة، وأنصت للحياة وهي تهمس بأسرارها في التفاصيل الصغيرة للأيام. تعلّم من الكتب، ولكن تعلّم أيضاً من الناس، ومن الطريق الطويل، ومن التجارب التي تصنع الإنسان أكثر حكمة وعمقاً.
فالحياة ليست رحلة نصل في نهايتها إلى المعرفة، بل رحلة نكتشف فيها أن المعرفة نفسها طريق لا نهاية له.
فلنبقَ إذن تلاميذ للحياة،
لأن الإنسان لا يكبر بعدد السنين التي يعيشها، بل بما يتعلمه وهو يعبرها
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟