أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة














المزيد.....

أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 10:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الثقافة الحيّة لا تُقاس قيمة المفكر بمدى الاتفاق معه، بل بقدر ما يفتحه من أسئلة وما يثيره من نقاش. فالأفكار التي تستحق أن تبقى ليست تلك التي تمنحنا الطمأنينة، بل تلك التي تُقلق يقيننا وتدفعنا إلى التفكير من جديد. ولهذا فإن الاختلاف، في جوهره، ليس أزمة ثقافية، بل علامة صحة الفكر وحيويته.



من هنا أقول بوضوح: قد أختلف مع المفكر والكاتب والسياسي الفلسطيني عزمي بشارة، لكنني لا ألغيه. ليس لأنني أتفق مع كل ما يكتبه أو يقوله، بل لأن الثقافة التي تحترم نفسها لا تُدار بمنطق الشطب، بل بمنطق الحوار والقراءة والنقد.



ينتمي بشارة إلى ذلك الصنف من المثقفين الذين لا يكتفون بمراقبة العالم من بعيد، بل يشتبكون مع أسئلته الكبرى. فقد جاء إلى المجال العام من خلفية فلسفية تشكّلت خلال دراسته في جامعة هومبولت في برلين، حيث تعمّق في الفلسفة الحديثة والنظرية الاجتماعية، قبل أن يكرّس جهده لمحاولة فهم التحولات التي يعيشها العالم العربي من خلال مفاهيم الدولة، والديمقراطية، والمجتمع المدني، والهوية، والطائفية.



ولم يكن اشتغاله على هذه المفاهيم تمرينًا نظريًا معزولًا، بل محاولة جادة لإعادة التفكير في اللغة التي نتحدث بها عن السياسة والمجتمع. ففي كتاباته حول الدولة الحديثة، أو في تحليلاته للطائفية، أو في قراءاته للتحولات العربية، سعى إلى تجاوز التفسيرات السطحية، وإعادة الظواهر السياسية إلى سياقاتها التاريخية والاجتماعية.



غير أن تجربة عزمي بشارة لا تُختزل في إنتاجه الفكري وحده. فقد خاض العمل السياسي المباشر ممثلًا للفلسطينيين في الداخل، قبل أن يتفرغ لاحقًا للمشروع الفكري والمؤسساتي. وفي هذا السياق أسهم في تأسيس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الذي تحول خلال سنوات قليلة إلى واحد من أبرز المراكز البحثية في العالم العربي، كما شارك في إطلاق معهد الدوحة للدراسات العليا، وهو مشروع أكاديمي يسعى إلى ترسيخ البحث العلمي في العلوم الاجتماعية والإنسانية باللغة العربية.



إن حضور المفكر في المجال العام يجعله، بطبيعة الحال، موضوعًا للنقاش والاختلاف. وهذا أمر طبيعي بل ضروري في أي حياة فكرية حقيقية. فالمفكر لا يُقاس بمدى الإجماع حوله، بل بقدر ما يثيره من حوار وما يفتحه من أفق للنقاش.



غير أن ما يلفت الانتباه في كثير من النقاشات العربية هو سرعة الانتقال من النقد إلى الإلغاء. فيُختزل المفكر أحيانًا في موقفٍ سياسي أو قراءة ظرفية، ويُنسى مشروعه الفكري بأكمله. وكأن الثقافة تحوّلت إلى ساحة اصطفاف، لا إلى فضاء حوار.



لكن ثمة فرقًا جوهريًا بين النقد والإلغاء.

النقد فعل ثقافي يعترف بقيمة الفكرة ثم يحاورها أو يفندها.

أما الإلغاء فهو محاولة لمحو القيمة من أصلها، وغالبًا ما يكون تعبيرًا عن عجزٍ عن خوض النقاش الفكري الحقيقي.



لقد أسهم عزمي بشارة، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا، في إدخال قدر أكبر من التحليل المفهومي إلى النقاش العربي حول قضايا معقدة مثل الديمقراطية والطائفية وسؤال الدولة. وهذه مساهمة فكرية يصعب إنكار أثرها في زمنٍ يميل فيه الخطاب العام إلى الاختزال والشعارات.



إن الثقافة العربية اليوم ليست بحاجة إلى المزيد من الإقصاء الفكري، بل إلى فضاء أوسع للنقاش. فالمشهد الثقافي الصحي لا يقوم على الإجماع، بل على التعدد. ولا يُبنى على شطب المفكرين، بل على قراءة أعمالهم بجدية ومناقشتها بصرامة.



ولهذا أعود إلى الفكرة الأولى التي بدأت بها:

قد أختلف مع عزمي بشارة، وربما أعارضه في بعض قراءاته ومواقفه، لكنني لا ألغيه.



لا ألغيه لأن الفكر ليس محكمة تفتيش، بل مساحة للأسئلة.

ولا ألغيه لأن الثقافة التي تخشى الاختلاف لا تستطيع أن تنتج معرفة حقيقية.

ولا ألغيه لأن الاعتراف بقيمة المفكر لا يعني تبني أفكاره، بل احترام أثره في مسار النقاش الفكري.



فالإنصاف، في النهاية، ليس مجاملةً لأحد، بل فضيلة ثقافية.

وأن نختلف مع مفكر دون أن نلغي

هو أول شروط هذه الفضيلة



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة ...
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...
- الكرة التي انتظرت
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...
- مرثية الشاعرة رانية مرجية في وداع المؤرخ الفلسطيني وليد الخا ...
- لطيفة الدليمي… حين يغيب عقلٌ كان يضيء العتمة
- المرأة الفلسطينية… حارسة الذاكرة وصانعة الحياة
- لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف
- الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد
- الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» ...
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...
- الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع ...
- قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم


المزيد.....




- هل أصبحت الموضة مقتصرة على أصحاب الملايين فقط؟
- سائق حافلة يتقاضى أجره بعملة نادرة تعود لأكثر من ألفي عام
- أول تعليق من الكرملين على قرار ترامب بشراء النفط الروسي
- هل الحرب هذه على إيران بداية لحرب عالمية ثالثة؟ - مقال في ال ...
- خسائر فادحة.. ما مستقبل قطاع السياحة في دول الخليج بعد حرب إ ...
- لم الشمل في ألمانيا: 4029 طلباً.. وتأشيرتان فقط
- تابعوا التقرير الحصري لفرانس24 بمدينة الصور في جنوب لبنان
- ماكرون يدعو إسرائيل إلى -محادثات مباشرة- مع لبنان في باريس ب ...
- من مقعد الحكواتي إلى شاشة التلفزيون.. الجذور التاريخية للشغف ...
- 5 أسئلة عن القصف الأمريكي لجزيرة خارك الإيرانية


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة