أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة إلى لغةٍ للحب والذاكرة















المزيد.....

الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة إلى لغةٍ للحب والذاكرة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 21:35
المحور: الادب والفن
    


مقدّمة

تحتلّ الطبيعة مكانة مركزية في قصائد الشاعرة الفلسطينية ليليان بشارة منصور، حيث تتحوّل عناصرها – البحر، والكرمل، واللوز، والمرفأ – إلى فضاءات شعرية نابضة بالحياة والذاكرة. ففي نصوصها لا يظهر المكان مجرّد خلفية جغرافية للأحداث، بل يغدو كياناً عاطفياً يتماهى مع التجربة الإنسانية.

إن قراءة شعرها تكشف عن حساسية لغوية قادرة على تحويل التفاصيل الحسية الصغيرة – كالرحيق وعطر اللوز وارتجاجات الموج – إلى صور شعرية واسعة الدلالة. وفي هذا العالم الشعري يتداخل الجسد مع الطبيعة، وتتحوّل المدينة إلى مرآة للذات.

ومن خلال قراءة بعض نصوصها تتجلّى تجربة شعرية تقوم على اندماج الإنسان بالمكان، وتحول الطبيعة إلى لغة للعاطفة والانتماء.

الجسد بوصفه فضاءً للطبيعة

تفتتح الشاعرة نصها بصورة شعرية لافتة تقول فيها:

على حافة الفصول
ويتسرّب الرحيق
من أطرافها
من أصابع يديها
من أصابع رجليها
ويغرق ثوبها في عطر اللوز.

في هذا المقطع يتحوّل الجسد إلى فضاء طبيعي يفيض بالعطر والرحيق. فالأصابع ليست مجرد أعضاء جسدية، بل ينابيع للحياة والخصب، بينما يغدو العطر امتداداً حسياً للطبيعة.

إن اختيار اللوز ليس اعتباطياً؛ فهو في الذاكرة المتوسطية أول الأشجار التي تزهر في الربيع، ولهذا يصبح رمزاً للبدايات الجديدة ولليقظة بعد سبات الشتاء. وهكذا يتماهى الجسد مع الطبيعة في صورة شعرية تجمع بين الحسي والرمزي.

التوازي بين الطبيعة والعاطفة

يتعمق هذا التماهي في المقطع التالي:

مع بدايات الربيع
عندما يصحو اللوز
وعندما يصحو هو.

هنا تقيم الشاعرة توازياً واضحاً بين صحوة الطبيعة وصحوة العاطفة، وكأن الحب نفسه جزء من دورة الفصول.

ويزداد هذا الإحساس بالحركة عبر الأفعال التي تستخدمها الشاعرة:
يتسلّل، يدخل، يرتشف، وهي أفعال توحي بانسياب العاطفة كما ينساب الماء في الينابيع.

الحب بوصفه بناءً حيوياً

تقدّم الشاعرة صورة مبتكرة للعلاقة العاطفية حين تقول:

يحدث ثورة في بيئتها
يخزن عسلاً في نخاريب خليته
ويبني بيت عشق لشتاء قادم.

تشبّه هذه الصورة العلاقة العاطفية بعمل النحل في بناء الخلية وصناعة العسل. فالحب هنا ليس مجرد إحساس عابر، بل بناء حيّ يقوم على التراكم والاستمرارية.

أما عبارة بيت عشق لشتاء قادم فتشير إلى البعد الزمني للعاطفة، حيث يتحوّل الحب إلى ملاذ دافئ في مواجهة برودة الأيام.

المدينة بوصفها هوية

في مقطع آخر تقول الشاعرة:

أنت مدينتي
ومدينتي أنت.

إن هذا التكرار الانعكاسي يختزل حالة تماهٍ كامل بين الحبيب والمكان. فالمدينة هنا لا تظهر مجرد موقع جغرافي، بل تتحول إلى كيان عاطفي يسكن داخل الذات.

ومن هنا يصبح المكان جزءاً من الهوية، ويتحوّل الحبيب إلى تجسيد رمزي للمدينة.

أسطرة المكان

تبلغ القصيدة مستوى رمزيّاً أعمق عندما تربط الشاعرة بين الولادة والمكان:

في البدء كان خروجك من الرحم
هناك في الكرمل والبحر.

إن عبارة في البدء تمنح النص بعداً أسطورياً، حيث يتحول المكان إلى لحظة خلق أولى. وتتوالى بعد ذلك الصور الكونية: الموج، والبركان، وانشقاق الأرض، وهي صور توحي بطاقة الخلق التي ترافق ميلاد الإنسان والمكان معاً.

ثنائية البحر والكرمل

تشكل ثنائية البحر والكرمل أحد المحاور الرمزية في النص:

أنت الكرمل
وأنت البحر.

يمثل الكرمل الثبات والعلو، بينما يمثل البحر الحركة والانفتاح. ومن خلال الجمع بينهما تتشكل صورة مركبة للحبيب تجمع بين العمق والاستقرار.

المرفأ وشعرية العبور

يظهر المرفأ في النص بوصفه فضاءً إنسانياً للانتظار والعبور:

بين القادمين والراحلين
أراك تصطاد قمراً
وينسكب النور
فتنير المرفأ ليلاً.

إن صورة اصطياد القمر تمنح النص بعداً تخييلياً جميلاً، حيث يتحوّل الحبيب إلى مصدر للضوء وسط حركة العابرين.

المرفأ هنا ليس مجرد مكان، بل مساحة تتقاطع فيها الحكايات الإنسانية، وتتحول فيها الحياة اليومية إلى قصص عشق.

البعد الأنثوي في القصيدة

في المقطع الأخير يتجلى الصوت الأنثوي بوضوح:

أخلع ملابسي
وأرتدي عناقيد من صنوبر الكرمل.

لا يشير هذا التعرّي إلى الجسد فحسب، بل يحمل دلالة رمزية على التحرر والعودة إلى الطبيعة الأولى. فالمرأة هنا لا تكتفي بمراقبة المكان، بل تندمج فيه وتصبح جزءاً من ذاكرته.

خاتمة

تكشف قصائد ليليان بشارة منصور عن تجربة شعرية تقوم على إعادة اكتشاف العلاقة بين الإنسان ومكانه. ففي عالمها الشعري يتماهى الجسد مع الطبيعة، ويتحول البحر والكرمل والمرفأ إلى علامات للذاكرة والهوية.

إن هذه الكتابة لا تكتفي بتصوير العاطفة، بل تسعى إلى بناء فضاء شعري تتداخل فيه الجغرافيا مع الوجدان، وتصبح المدينة امتداداً للذات. وهكذا تتحول القصيدة إلى مساحة يلتقي فيها الحب بالمكان، والذاكرة بالطبيعة، في تجربة شعرية تحتفي بالحياة والانتماء.

النصوص الشعرية المعتمدة في هذه القراءة

للشاعرة ليليان بشارة منصور

على حافّةِ الفُصولِ
ويتسرّبُ الرّحيقُ
مِنْ أطرافِها،
مِن أصابعِ يَدَيْها،
مِن أصابعِ رِجْلَيْها
وَيَغْرَقُ ثَوبُها في عِطرِ اللّوزِ.

ومع بداياتِ الرّبيعِ
عندما يَصحو اللّوزُ
وعندما يَصحو هو...
مِن سُباتٍ يَتبعُ طلاءَ أصابِعِها
يتَسلَّلُ إلى ينابيعِها
يَدخُلُ إلى حوضِ عِطرِها
يَرتشفُ ما طابَ لهُ،
يُحدِثُ ثورةً في بيئَتِها
يُخَزِّنُ عَسلاً في نَخاريبِ
خَليَّتِهِ
ويبني بيتَ عِشقٍ
لشتاءٍ قادمٍ.

أنتَ الكرملُ
وأنتَ البحرُ
وأنا مَنِ التحمْتُ مع صخَبِ الموجِ،
وَرَوَتِ النّوارسُ حكايَتَنا
وشَرِبْتُ من ذبذباتِ ارتِجاجاتِهِ
حتّى الثّمالة.

بينَ القادمينِ والرّاحلينَ
أراكَ تصطادُ قمَراً
وينسكبُ النورُ
فتنيرُ المرفأَ ليلاً.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...
- الكرة التي انتظرت
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...
- مرثية الشاعرة رانية مرجية في وداع المؤرخ الفلسطيني وليد الخا ...
- لطيفة الدليمي… حين يغيب عقلٌ كان يضيء العتمة
- المرأة الفلسطينية… حارسة الذاكرة وصانعة الحياة
- لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف
- الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد
- الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» ...
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...
- الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع ...
- قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم
- غزة في قلب العاصفة… وحروب تعيد تشكيل الإقليم
- عدوٌّ على مقاس خوفنا: تفكيك الرغبة في تحقيق النبوءة مقالة تأ ...
- الهوية: كيف تحولت إلى مشروع إدارة
- منار زبيدة: أن ترفض المرأة أن تُختزل في انكسارها
- ما تبقّى من النار في الشعر العربي اليوم
- من الذي يحتاج تعديلًا فعلًا؟


المزيد.....




- هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟ ...
- سينما -الأجنحة الصغيرة- في غزة: شاشة من ضوء تهزم عتمة الحرب ...
- لندن تعزف أجمل أنغامها: احتفال الجمعية الملكية للموسيقى 2026 ...
- على سرج غيمة
- قوافي الصمود: صالونات غزة الثقافية تنبعث من تحت الركام لمواج ...
- لماذا عاد شعراء غزة للكتابة عن الحرب والجوع؟ السر في الخيام ...
- تشديد الإجراءات الأمنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار بعد مزاع ...
- 24 رمضان: 3 أساطير عربية رحلت وسلاح نفط غيّر العالم
- -شهود عيان من غزة- على مسرح لندني: حكايات الألم التي عبرت ال ...
- سرير من رماد


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة إلى لغةٍ للحب والذاكرة