رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 11:13
المحور:
المجتمع المدني
فالإنسان لا يفقد نفسه دفعةً واحدة، بل يبتعد عنها ببطءٍ لا يُرى. يبدأ الأمر بتنازلٍ صغير بدافع اللطف، ثم صمتٍ بدافع الحرص، ثم قبولٍ لما لا يشبهه خوفًا من أن يخسر الآخر. ومع مرور الوقت تتراكم هذه اللحظات الصامتة حتى يكتشف أنه أعطى من ذاته أكثر مما ينبغي، وأن شيئًا من روحه قد تلاشى في الطريق.
لقد اعتدنا أن نربط المحبة بالذوبان، وكأن القرب الحقيقي يقتضي أن نتخلى عن أجزاءٍ من أنفسنا. لكن العلاقات التي تُبنى على محو الذات لا تصنع حبًا أعمق، بل تعبًا أهدأ. فالروح التي تُستنزف طويلًا تفقد قدرتها على العطاء، والقلب الذي لا يحرس حدوده يتعب من حمل ما ليس له.
الحدود ليست رفضًا للآخر، بل اعترافٌ هادئ بقيمة الذات.
هي تلك اللحظة التي يقول فيها الإنسان لنفسه أولًا: يمكنني أن أحب… دون أن أتخلى عن نفسي.
فالكرامة ليست نقيض المحبة كما يتوهم البعض، بل شرطها العميق. لأن العلاقة التي تُهمَل فيها كرامة أحد طرفيها تتحول مع الوقت إلى مساحةٍ غير عادلة، مهما تزيّنت بكلمات الودّ.
الإنسان الذي يتعلّم أن يقول: “إلى هنا يكفي” لا يصبح أقل عطاءً، بل أكثر صفاءً. فالعطاء الحقيقي لا يولد من الإنهاك، ولا من الشعور بالواجب الثقيل، بل من امتلاءٍ داخلي يجعل القلب قادرًا على العطاء دون أن ينطفئ.
لهذا فإن وضع الحدود ليس انسحابًا من العلاقات، بل استثمارٌ عميق في إنسانيتنا. إنه القرار الهادئ بأن نحب بوعي، وأن نعطي بكرامة، وأن نحافظ على تلك المساحة الداخلية التي إن ضاعت ضاع معها كل شيء.
فالإنسان الذي يحرس حدوده لا يحمي نفسه فقط، بل يحمي أيضًا نقاء العلاقة. لأن العلاقة الحقيقية لا تحتاج إلى أن يختفي أحد الطرفين كي تستمر، بل تحتاج إلى شخصين كاملين يعرف كلٌّ منهما أين يقف.
وفي النهاية، ليست الحكمة أن نفتح قلوبنا بلا أبواب، ولا أن نغلقها خلف جدرانٍ عالية.
الحكمة أن نعرف متى نفتح، ومتى نتوقف… ومتى نقول بهدوءٍ ناضج لا يخلو من المحبة:
**إلى هنا يبدأ احترامي لنفسي… ومن هنا تبدأ العلاقة صحيحة
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟