أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ وصواريخ» لعامر عودة














المزيد.....

صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ وصواريخ» لعامر عودة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 13:09
المحور: الادب والفن
    


في قصّة «ملاجئ وصواريخ» لعامر عودة، لا نقرأ الحرب بوصفها حدثًا خارجيًّا فحسب، بل نلامسها كاختبار داخليّ قاسٍ، يكشف ما يختبئ في أعماق الإنسان. فحين تدوّي صافرة الإنذار، لا تسقط القذائف وحدها، بل تسقط معها الأقنعة، وتنكشف الطبقات الهشّة التي نحتمي بها في أوقات السلم.

منذ البدء، يقدّم لنا الكاتب شخصية فادي، لا كبطلٍ تقليدي، بل كمعيار أخلاقي صامت. رجلٌ بسيط، يمارس إنسانيته دون ادّعاء: ينتظر الجميع قبل أن يدخل الملجأ، يحمل القطّة كما يحمل مسؤوليته تجاه الحياة في أبسط صورها، ويتصرّف كما لو أنّ النجاة لا تكون كاملة إن لم تشمل الآخرين. إنّه نموذج لإنسانيّة لا تتكلّم كثيرًا، بل تُمارس نفسها في التفاصيل الصغيرة، حيث يكمن جوهر القيم.

في المقابل، يرسم النصّ خلفيّة مشحونة بالتوتّر والانقسام، عالمًا يتسرّب فيه الخوف إلى اللغة اليومية، وتتسلّل فيه العنصرية إلى السلوك العابر. غير أنّ المفارقة التي يلتقطها الكاتب بذكاء أنّ الخطر، على قسوته، يخلق لحظة مساواة قسرية داخل الملجأ؛ حيث يجلس المختلفون كتفًا إلى كتف، وقد جمعتهم هشاشة المصير. إنّها وحدة مؤقّتة، لا تنبع من قناعة، بل من الخوف المشترك—وهي لذلك قابلة للانهيار عند أوّل اختبار.

يأتي صوت العامل الصامت ككسرٍ لهذه اللحظة الهشّة. صمته لم يكن حيادًا، بل تراكمًا لخبرة موجعة، وحين تكلّم، خرجت كلماته مشحونة بالغضب والخذلان. ما رواه يكشف عن ظلمٍ صريح، لكنّ الأهمّ أنّ ردّ فعله يكشف انزلاقًا أخلاقيًّا دقيقًا: من رفض العنصرية إلى الوقوع في فخّ التعميم، ومن إدانة الإقصاء إلى إعادة إنتاجه بلغةٍ معكوسة.

هنا تتكثّف دلالة النصّ: الألم، حين لا يُهذَّب، قد يتحوّل إلى أداة تعمية، لا إلى وعي. والصمت الذي يخيّم بعد كلماته ليس عجزًا عن الردّ، بل إدراكٌ لخطورة ما قيل، ووعيٌ بأن الحقيقة تفقد صفاءها حين تُحمَّل بالكراهية.

يبقى فادي، في هذا المشهد، واقفًا عند تخوم الفعل والتراجع. يرغب في التصحيح، لكنّه يدرك تعقيد النفس البشرية، ويعي أنّ بعض القلوب، حين تعتاد القسوة أو الوحدة، تصبح أقلّ قابلية للإصغاء. تراجعه ليس ضعفًا، بل معرفة هادئة بحدود التأثير.

ثم تأتي النهاية، مكثّفةً كضربةٍ صامتة: العامل نفسه، الذي احتجّ على الإقصاء، يهرع إلى ملجئه تاركًا فادي في العراء. في هذه اللحظة، لا يعود الحدث تفصيلاً عابرًا، بل يتحوّل إلى مرآة قاسية: الإنسان قد يسقط في اللحظة التي يظنّ أنّه يدافع فيها عن الحق. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى؛ إذ لا تخلق الحرب هذه التناقضات بقدر ما تكشفها وتسرّع ظهورها.

لغة عامر عودة في هذه القصة متقشّفة بوعي، تميل إلى الاقتصاد دون أن تفقد عمقها، وتعتمد على المفارقة بوصفها أداة جماليّة وأخلاقيّة في آن. فهو لا يقدّم خطابةً مباشرة، بل يترك المشهد يتكلّم، ويثق بقدرة القارئ على التقاط ما بين السطور.

هذه القصّة، في جوهرها، ليست عن الملجأ ولا عن الصواريخ، بل عن الإنسان حين يُوضع أمام امتحانه الحقيقي: هل ينجو وحده، أم ينجو مع الآخرين؟ وهل تبقى القيم حيّة حين يصبح الخوف سيّد الموقف؟

في المشهد الأخير، يقف فادي في العراء، تحت سماءٍ مشتعلة، لكنّه—على هشاشته—يظلّ الأكثر ثباتًا ليس لانه أقوى، بل لأنّه اختار أن يكون إنسانًا، حتى في اللحظة التي يصبح فيها ذلك الخيار الأصعب



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تقاوم الطفولة الحرب
- حين يبقى الإنسان تلميذاً للحياة
- الدقيقة التي لم تُعَش
- ليست الحدود في العلاقات قسوة… بل شكلٌ ناضج من أشكال المحبة.
- أن نختلف دون أن نلغي: في إنصاف عزمي بشارة
- الجسد والمدينة في شعر ليليان بشارة منصور حين تتحوّل الطبيعة ...
- قراءة نقدية في قصة «قليل من القسوة لنحمي أنفسنا» للروائية دي ...
- عقل الجريمة بين الإنسان والقانون قراءة في مقال: “عقلية المجر ...
- الكرة التي انتظرت
- وليد الخالدي… حارس الذاكرة الفلسطينية: مرثية - ************* ...
- مرثية الشاعرة رانية مرجية في وداع المؤرخ الفلسطيني وليد الخا ...
- لطيفة الدليمي… حين يغيب عقلٌ كان يضيء العتمة
- المرأة الفلسطينية… حارسة الذاكرة وصانعة الحياة
- لا تخف: الكلمة التي يحتاجها عالم يعيش على الخوف
- الهوية العاشقة: قراءة فلسفية في نشيد الإنشاد
- الجسد حين يتكلم قبلنا قراءة نقدية في قصة «أجساد تعرف قبلنا» ...
- حين تصير الذاكرة هندسةً للضوء قراءة في التجربة الشعرية لليلي ...
- الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع ...
- قراءة نقدية في قصيدة «سِهامُ الرياءِ» – للشاعرة عائشة يونس
- حين ينتهي المعنى قبل أن ينتهي العالم


المزيد.....




- يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3- ...
- لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش ...
- نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
- -لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 ...
- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...
- 29 رمضان.. يوم وُلدت القيروان وارتسمت ملامح الأمة
- في مسلسل بأربعة مخرجين.. مغني الراب المغربي -ديزي دروس- يقتح ...
- بعد 40 يوما من الغيبوبة.. وفاة الفنانة نهال القاضي متأثرة بح ...
- هل يجب أن تكون الموسيقى صاخبة جدًا لنحرق سعرات أكثر؟
- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - صافرة الإنذار… حين تعرّي الإنسان قراءة وجدانية في قصة «ملاجئ وصواريخ» لعامر عودة